Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player



الوقت في ليـبيا











 
ضعف الشعوب خدّاع، لأنه قوى متفرقة في نفوس متفرقة، ولكنها عندما تجمعت يوم 17 فبراير، كانت الرجفة التي هزت الأرض من تحت أقدام الطغاة، ونقلت التاريخ من فصل إلى فصل!   ليبـيا التى تمتد جذورها فى أعماق الأزل، صنعت ثورة 17 فبراير ليبدأ ربيعها الساعي إلى الحرية والديمقراطية، بعد أن طال شتائها لأكثر من أربعة عقود! فكانت نهاية حقبة مظلمة في تاريخ شعب طيب، ونهاية طاغية أراد أن يزيّف وجه التاريخ، لينتهى طريداً ... لشعاراته ... تلاحقه لعنة الله، والناس، والتاريخ!
 

   
 
 
  NDAL


   
 

 

تصور العمل الوطني

(وثيقة 14 يناير)

هناك أيام في حياة الشعوب لا تقاس بوحدات الزمن، وإنما بما تحمله من معاناة، تلك المعاناة التي تلهم أفكارها وتلهب عزائمها، فتفجر آمالها وتفتح أفاق مستقبلها. هذه حقيقة تعيها وتنطلق منها حتى نحيل هذه الآمال والأفكار إلى واقع معاش.

هذا لا يعني مطلقاً أن المعاناة سوف تفتح آفاق المستقبل دون جهد وعمل مكثف يحول المعاناة إلى ثورة والمآسي إلى إصرار على النضال، والهزيمة إلى نصر.

إن من يقف متفرجاً على معاناة شعبه، يستطلع ما يحدث، وينتظر أيام النصر ليركب موجتها ويقطف ثمارها المخضبة بدموع ومرارة ودماء أبناء شعبنا إنما يضع نفسه في موضع الخذلان والخيانة من شعبه، أما أولئك المناضلون، الذين يعملون بجدية قدر طاقاتهم، ويكثفون الجهود ببصيرة مستنيرة وعقول واعية وقلوب كبيرة قادرة على قبول النصر والهزيمة بنفس الروح ومستعدة لتطوير النصر إلى نصر أعظم وإحالة الهزيمة إلى درس يستفاد منه في تحقيق النصر، فهم خدام الشعب وفرسان حريته وصناع غده.

وعندما يطرح التجمع الوطني الديمقراطي تصوره على جموع الشعب الليبية إنما يرمي من وراء ذلك إلى تحديد رؤيته السياسية إلى الأوضاع السائدة في بلادنا، حاضرها، وماضيها ومستقبلها، التي تتبلور فيها أهدافها ومبادئها من خلال تقييم جهاد شعبنا واستلهام معاناته في الحاضر واستقراء آماله في المستقبل، ويهدف أيضاً إلى تحديد أسلوبه في العمل السياسي، سواء داخلياً بين صفوفه أو خارجياً مع الجهات السياسية الأخرى.

إلا أننا عندما نطرح هذا التصور فإننا لا ندعي بأي حال من الأحوال أننا نصيغ نظرية سياسية، فنحن لا نتظاهر بملكية، "الحلول الجاهزة والجذرية" لجميع المعضلات والمشاكل التي تعترض طريق نضالنا الوطني، بل أن النظرية السياسية ليست سوى نتاج الممارسة السياسية الطويلة، والتقييم المستمر للمراحل التي قطعت، ومؤشرات النجاح والفشل، ومواطن الخطأ والصواب في الخطوات التي أنجزت، وكذلك التطور المستمر للمتغيرات المحيطة بعملنا السياسي.

وفي ختام المؤتمر التأسيسي للتجمع الوطني الديمقراطي الليبي المنعقد في الفترة الواقعة بين الثامن والرابع عشر من يناير 1982، أقر المجتمعون هذا التصور لطرحه على فئات شعبنا وتجمعاته المتعددة مستهدفين توضيح الهوية النضالية والسياسية للتجمع الوطني الديمقراطي الليبي وتحقيق وضوح الرؤية وبلورة المواقف المعارضة للنظام الانقلابي الهمجي من المستوى الفردي إلى الموقف الجماعي من أجل فتح حوار بناء حول قضايا البديل الوطني.

وبعد حقبة طويلة من الظلم والقهر والاستبداد فأن التجمع الوطني الديمقراطي الليبي وهو يقدم هذا التصور للعمل الوطني فأنه يستلهم عناصره من:

أ‌. إيمان لا يتزعزع بالله ورسوله وكتابه الحكيم، وقناعة كاملة بأن النضال ضد الاستبداد هو جهاد في سبيل الله، وأن الموت في سبيل تحقيق آمال شعبنا هي الشهادة بكل خلودها ومجدها.

ب‌. وعي كامل بآمال شعبنا الوطنية في هذه المرحلة الحرجة.

ج. القدرة على الاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى بلا خوف أو شعور بالنقص.

د. التفهم الواعي للتيارات السياسية المؤثرة على مسيرة شعبنا، داخليه وخارجية، كشعب مسلم من الشعوب العربية.

هـ. مازجاً كل ذلك داخل بوتقة التجربة الذاتية لشعبنا من خلال مراحل جهاده الطويل، إيماناً بأن التجربة الوطنية هي التي تحدد المعايير الدقيقة لكيفية الاستفادة من التجارب الأخرى، وهي القادرة على تحويل آمال شعبنا إلى أهداف نضالية.

 

من هنا، فإننا سنعمل أيضاً دون هوادة، ضد الذين يحاولون تحويل ميادين العمل ضد النظام الهمجي إلى مجرد ساحات خطابة ومنابر لغو وسجع أو مسارح للظهور الشخصي، أولئك الذين يعملون دون كلل على بعثرة الجهود، لا لشيء، إلا لعدم قدرتهم على التضحية والفداء.

 

إننا من موقع الثقة بالنفس، ندعو جميع الإخوة الذين ما زالوا يترددون في اتخاذ المواقف الواضحة ضد النظام المتسلط، ويملكون الإرادة والاستعداد لحمل بعض الأعباء أو جلها إلى الانضمام إلى صفوف التجمع الوطني الديمقراطي الليبي، للعمل جنباً إلى جنب مع إخوانهم من أجل رفع المعاناة عن شعبنا، والمشاركة في النضال من أجله بكل ما يتطلبه النضال من تضحيات وعمل ومسؤوليات.

 

أن النضال الوطني يتطلب العرق، وقد يتطلب الدم أيضاً، ولكنه لا يتحمل من يعملون وفي مخيلتهم مغانم السلطة، وطرق اقتناص نصيبهم منها، أو لمجرد حمل "شارات المعارضة"على أكتافهم.

 

أن التجمع الوطني الديمقراطي الليبي يعمل من خلال المناضلين الصادقين، الذين لا يرهبهم سلاح السلطة ولا قمعها، ولا تضللهم حملاتها الإعلامية ولا يضعفون أمام الجهات التي تملك وتنفق.

 

إن تصور العمل الوطني هذا لا يعدو كونه ورقة عمل مطروحة للنقاش، ولا يمكن تطويره إلا من خلال حوار مستمر وبناء، يحترم فيه الرأي الآخر، فهو لا يحمل تصورات جامدة أو أحكاماً نهائية، فهذا ضد قوانين الحياة وسنة التطور. ومن هذا المنطق فإننا نطرح تصورنا للعمل الوطني للحوار حتى نصل من خلاله إلى الحقيقة التي تدفع المجتمع الليبي ونندفع معه إلى الأمام، دون تجاوز للواقع أو قفز للمجهول، ودون حرق للمراحل، حتى لا نعرض قضية شعبنا لمخاطر الارتجال والتطرف، والعمل غير الناضج، وتلك هي مسؤوليتنا بل ومسؤولية كل ليبي واع شريف. ومن أجل الحقيقة لا بد لنا أن تعرف بدقة من نحن، وأين نحن، ثم إلى أين نسير.

 

ولكي نصل إلى ذلك فإننا نتناول في تصورنا هذا:

ما قبل انقلاب 1969 كباب أول، وانقلاب سبتمبر وطبيعته كباب ثان، والتجمع الوطني الديمقراطي الليبي كباب ثالث، والبديل الذي نعمل من أجله كباب رابع، والاقتصاد والتنمية كباب خامس، والسياسة الخارجية كباب سادس.

 

(الباب الأول)

 

ما قبل الإنقلاب

كانت أهمية موقع بلادنا الإستراتيجي كأحد البوابات الرئيسية للقارة الأفريقية، وحلقة وصل بين مغربنا ومشرقنا العربيين، وما احتوت عليه أرضنا من ثروات كانت سبباً في تعرضها لغزوات المستعمرين وهجماتهم المتلاحقة منذ قديم الزمن.

فقد واجه الليبيون عهوداً طويلة مظلمة، إلا أنهم بفضل أصالتهم وكفاحهم ومقاومتهم للطغاة، تصدوا لجميع المعتدين وتجاوزوا تلك العهود، وخرجوا من تلك المحن أكثر تماسكاً وأشد تعلقاً بالحرية، وارتباطاً بتراب الوطن.

أجل فإن شعبنا لم يأت من فراغ، ولم يولد كما تزعم أبواق النظام الانقلابي الرخيصة، في أول سبتمبر 1969.

إن ليبـيا وطناً وشعباً وجهاداً، تمتد في التاريخ إلى ما قبل التاريخ، فقد نحت إسمها في التاريخ بأظافر رجال أبوا أن يستعبدهم أحد.

إن تاريخ بلادنا زاخر بالبطولات، حافل بالأمجاد وليس أدل على ذلك من انتصاره الرائع في الحفاظ على شخصيته الوطنية والإسلامية، وانتمائه العربي، وكيانه الوطني رغم شراسة الهجمات وتواصلها عبر تلك السنين.

ولقد قدم شعبنا نصف أبنائه على ساحة الجهاد، ووقف أكثر من ربع قرن يدافع عن دينه وبلاده وحريته ضد الغزو الإيطالي، وأثبت أنه قادر ـ رغم قلة الإمكانيات في تلك الفترة ـ على الدفاع عن عقيدته وأرضه وحقه في الحرية والكرامة، وعلى الصعود في وجه الإستبداد والقمع والإبادة الجماعية.

كما لم يتوقف شعبنا عن المقاومة، ولم يلق بسلاحه حتى رحل الغزاة الإيطاليون، إلا أن بلادنا وقعت بعدهم تحت سيطرة الحلفاء "المنتصرين" في الحرب العالمية الثانية.

واتضحت عندها بشكل أقوى أهمية ليبيا وحساسية موقعها الجغرافي كمفتاح للأمن الأوروبي والأفريقي واتضحت كذلك أهمية شاطئها الطويل الذي بإمكانه السيطرة على الملاحة الجوية والبحرية في حوض البحر المتوسط، ومساحاتها المترامية كقاعدة حيوية للانطلاق والحفاظ على مراكز النفوذ في القارة الأفريقية والشرق الأوسط، بالإضافة إلى إمكانية اكتشاف النفط، التي زادت من حدة الأطماع وتكالب القوى الدولية على التشبث بالسيطرة وبسط النفوذ والهيمنة على مصير ليبيا، والتأمر على مستقبلها.

 

الاستقلال

إن الشعوب التي تتنكر لتاريخها، ونضال أجيالها السابقة، شعوب غير وفية لتراثها، ولذلك لم يتنكر الليبيون لتاريخهم، ولا يمكن أن يبخسوا من جهاد رعيلهم الأول، ولا أن يتشككوا في حبهم لبلادهم، ولا تعلقهم بالحرية، أو إصرارهم على تحقيق الاستقلال الوطني، والحفاظ على وحدة الكيان. وقد كان نضالهم المتواصل بشتى الأساليب والأدوات المتاحة في تلك المرحلة، هو الذي أجبر المستعمرين الجدد على الاعتراف بحقنا في الاستقلال، وأفشل مخططاتهم التآمرية لتمزيق وحدة التراب الوطني، وإن كان ذلك لم يحل دون استمرارهم في التآمر بأشكال جديدة للمساس بالاستقلال، واستلاب السيادة وقطع الطريق في اتجاه الازدهار والتقدم.

ورغم تلك الظروف الصعبة، وضغط القوى الاستعمارية على مواجع فقرنا وضعف إمكانياتنا، فإن الليبيين شقوا طريقهم نحو بناء بلادهم، فتكونت بالفعل دولة وقامت مؤسساتها الإدارية والتشريعية، وراهن شعبنا على النهضة التعليمية باعتبارها السبيل الوحيد لخلق جيل متعلم، وتوفير الخبرات والكفاءات الوطنية القادرة على تغيير الواقع، وقيادة البلاد في اتجاه البناء الحقيقي، والخروج بها من التخلف، وانتشال المصير من دوائر النفوذ الأجنبي التي ما فتئت تخطط لكي لا تخرج ليبـيا من الحدود المرسومة لمصيرها، وخاصة بعد ظهور النفط وتدفقه بكميات وفيرة.

 

ظهور النفط:

بظهور النفط تهافتت على البلاد كبريات الاحتكارات النفطية من مختلف الجنسيات. وبدلاً من أن تكون ثروة النفط عاملاً إيجابياً في تنمية بلادنا، تخرجها من تلك الهيمنة والتبعية الأجنبية التي فرضت عليها في ذلك الوقت، تحولت هذه الثروة إلى أداة فعلية في أيدي الاحتكارات الدولية، لتشدد من قبضتها على البلاد وتعمق تبعيتها لها، وتفرض بواسطتها نمطاً اقتصادياً جديداً، يكون هو حجر الأساس في تطور ليبـيا اللاحق.

إن التحول المفاجئ الذي طرأ على البنية الاقتصادية والاجتماعية، منذ بداية تصدير النفط أحدث تخلخلاً شاملاً في أساس بنيان الدولة التقليدي، ذلك أن القاعدة الأساسية، إقتصادية كانت أو إجتماعية، ابتداء من النظرة والمفهوم السائدين في ذلك الوقت، مروراً بجهاز الإدارة العامة، وانتهاء بشبكة الطرق والمواصلات، لم يكن بمقدورها بحكم الواقع، إستيعاب هذا التحول المفاجئ والخطير.

 

اضمحلال العهد الملكي

دخل شعبنا مرحلة جدية من نضاله ضد النظام الملكي الذي لم يتح لجماهير شعبنا ممارسة الديمقراطية الحقة، والذي كانت مواقفه السلبية تجاه ما يجري على الساحة العربية والدولية من أحداث تصدم تطلعات أبناء شعبنا، وتزيد من عمق الهوة بين طموحات الشعب وممارسات النظام.

وتبلورت أهداف نضال الشعب في هذه المرحلة حول مبادئ سياسة محددة، تمثلت في الإصرار على استكمال السيادة الوطنية بجلاء القواعد العسكرية الأجنبية، وإلغاء كل أشكال التبعية وتحقيق الديمقراطية الحقيقية، وإلغاء كافة السلبيات التي تحول دون ممارستها، وتمكين بلادنا من المساهمة البناءة في قضايا المنطقة، ثم الإسراع بدفع عجلة التنمية، لبناء اقتصاد وطني يحقق الازدهار الفعلي على أساس مخطط ومدروس.

وتصاعد نضال الفئات الوطنية في خط متواز مع قصور العهد الملكي في فهم هذه الأهداف، ونتج عن هذا القصور عجز النظام السابق عن ضبط حركة المجتمع من ناحية، وعدم القدرة على استمرارية النظام واستقراره، بالرغم من مضيه في اتجاه أدى إلى تعزيز مصالح الاحتكارات الدولية، وفتح الطريق أمام ذوي النفوذ لتأمين مواقفهم وزيادة مصالحهم .. من ناحية أخرى.

وتبلور المناخ السياسي في البلاد، بحيث أصبح التعارض بين ممارسات العهد، وطموحات القوى الوطنية واضح الشكل محدد المعالم، يقابل ذلك ظرف خارجي هام يتمثل في التكالب الذي أظهرته القوى الدولية والاحتكارات النفطية للعثور على بديل يستطيع تأمين مصالحها والحفاظ عليها في ليبـيا. بالإضافة إلى التطورات التي حلت بالمنطقة العربية عامة، والقضية الفلسطينية خاصة بعد هزيمة 1967 والتي أملت على القوى الدولية إيجاد نظام يزايد على آمال وطموحات الجماهير بالمنطقة، محاولاً بذلك إجهاضها وتوجيهها إلى حيثما تريد القوى الدولية.

لم تتمكن القوى الوطنية من فرض نفسها كبديل للنظام المضمحل، ولم يكن بإمكانها التصدي للمؤامرة الدولية، فقد كانت القوى الوطنية متمثلة في مجموعات صغيرة وتنظيمات ضعيفة، عاجزة عن صياغة تصوراتها ومفاهيمها للواقع الجديد، وعن امتلاك أداة التغير، وبالتالي لم يكن في مقدروها أن تتجاوز نفسها بحيث تعمل في اتجاه توحيد صفوفها في إطار يفرض نفسه من خلال العمل الوطني المنظم والنضال المشترك الفعال.

في هذا الواقع السياسي المهترئ، وجدت القوى الدولية في الانقلابين ضالتها المنشودة، حيث كانوا القوى الوحيدة المنضبطة والمسلحة القادرة على الإطاحة بالنظام الملكي، واستلام مقاليد السلطة وتنفيذ المخطط التآمري الجديد.

 

)الباب الثاني(

انقلاب سبتمبر وطبيعته

كم كانت اللحظات الأولى من يوم الاثنين الأول من سبتمبر 1969 خطيرة، وكم أثرت بما دار فيها من تحرك لقطاعات عسكرية، واحتلال لمحطات الإذاعة في مصير شعبنا وقدره خلال السنوات اللاحقة. فعلى هياكل الدبابات وخلف هديرها وفي ظل مدافعها، سيطر الانقلابين على مقادير الأمور بسهولة وبساطة. وسقط العهد، ولم يكن ذلك مستغرباً، فإفلاس العهد وانعدام شعبيته وقبوله الوطني، بل وحتى عدم قناعة أعمدته بقدرته على الاستمرار جعلهم يتقاعسون في الدفاع عنه.

إن الجماهير التي خرجت إلى الشوارع على التوالي حتى اليوم التاسع من الانقلاب، لم تخرج لتزكية الانقلابيين أو تأييدهم، لأنها لم تكن تعلم شيئا عن هويتهم، وإنما خرجت في الحقيقة للتعبير عن فرحتها بسقوط الحكم الملكي، وعن أمانيها في بناء جمهورية وطنية ديموقراطية، وكل إدعاء غير ذلك يعد تجنياً على الحقيقة والتاريخ.

في هذا المناخ الملائم، استطاع الانقلابيون نسج خيوط المؤامرة التي أوكلوا بمهمة تنفيذها، والتي تمثلت في القضاء على الاستقلال الوطني، وتعميق التبعية السياسية والاقتصادية، وإجهاض التقدم والتطور في البلاد، والعمل على نشر الفوضى وإلغاء مؤسسات الدولة الدستورية، وتحويل ليبـيا مركزاً للإرهاب الدولي، وبؤرة للإجرام وإهدار الثروة النفطية.

لكي يتم ذلك لجأ الانقلابيون إلى أسلوب الغدر والخداع، وكان من الطبيعي أن يعملوا على الحصول على ثقة الشعب حتى يمكن لخداعهم وتضليلهم أن يثمرا، لذا جاءت مسرحية الجلاء والنداءات الوحدوية المزعومة، ومظاهر التبسط والزهد والمزايدة على الإسلام والقضايا القومية، وندوة الفكر "الثوري".

وبالفعل، نحج الانقلابيون في تحقيق التفاف العديد من العناصر الوطنية حولهم، مما جعلهم يستغلون الحماس الشعبي في تنفيذ مؤامراتهم، ثم وجهوا إهتمامهم لخلخلة البناء الفكري والسياسي والثقافي والاجتماعي في ضربات متلاحقة ومتداخلة أحياناً، تمهيداً للسيطرة على مقدرات الشعب والتحكم فيه.

وكان خطاب زواره بما فيه من إلغاء للقوانين، ومحاربة للفكر وحرق لمصادره، والزج بالعناصر الوطنية المثقفة في السجون، وتصفية بعضهم جسدياً، والقضاء على الحركات النقابية، وتقويض دعائم البناء الإداري التي سهرت العقول على إرساء قواعده سنوات وسنوات.

وكان طبيعياً أن يقاوم الشعب هذا التيار الهدام، إلا أن الانقلابيين استغلوا التخلخل الذي أوجدوه لضرب المقاومة وقمعها، ومحاولة ضرب روافدها المادية والمعنوية، ترسيخاً لتركيبة سياسية واقتصادية واجتماعية تكرس عبودية المجموع للفرد الواحد، وانصياع الشعب لدكتاتوريته وتعسفه وأهوائه المزاجية.

في هذا الإطار، ظهر الكتاب الأخضر، الذي احتوى فصله الأول على تسفيه الأعراف السياسية التي أجمعت عليها جميع الشرائع والقوانين، فقد جردت حرية التعبير من محتواها وألغيت كافة الوسائل الديمقراطية التي يتم عن طريقها تحقيق المشاركة السياسية للمواطنين في صنع مصيرهم ومستقبلهم، كالاستفتاء والانتخاب والتمثيل النيابي والدستور، واستبدلت بتركيبة سياسية فاشية دعامتها لجان "شعبية" غير منتخبة، تسلطت عليها لجان وصفت بـ " الثورية " تنشئها أجهزة القمع والمخابرات، وضاعت بذلك حقوق المواطنين وحرياتهم في وسط هذه المهزلة السخيفة.

وفي الفصل الثاني من الكتاب الأخضر، الذي يتحدث عن " الاقتصاد " جرد المواطن من حقه في الرزق الشريف وألغيت قواعد العمل وقوانينه التي تنظم العلاقات الاقتصادية.

وتحت شعار " شركاء لا إجراء " مثلاً، سلب العامل حقوقه وضماناته، وتحول إلى مستدين دائم من الدولة، لا مرتب ثابت له ولا حقوق معترف بها ولا وسيلة لديه للدفاع عن مطالبه وإعطائها مضمونها السياسي، حتى الادخار الذي أجمع اقتصاديو العالم شرقه وغربه، على أنه أحد أسس التنمية أعتبر جريمة في نظره!

وبعد أن ضرب الطاغية، الشعب في مفاهيمه السياسية وحقوقه الاقتصادية، إتجه إلى الأسرة التي فيها يبدأ نشوء المواطن ومنها يبدأ العمل لتطوير المجتمع، فجاء الفصل الثالث من " الكتاب الأخضر" ليضرب هذه القاعدة بغرس المشاكل في كل أسرة حتى يصبح المواطن غارقاً في المشاكل الاجتماعية، عاجزاً عن كل شيء إلا الانصياع للحاكم الفرد وأجهزة قمعه ومخططات الاستعمار المشبوهة.

 

الانقلابيون والإسلام

هذا، كما هاجم الطاغية الدين لما يمثله من قواعد واضحة للحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدى الجميع، والذي هو نبراس حي وقوي للجهاد ضد الظلم والاستبداد، فألغيت السنة النبوية كونها المصدر الثاني للشريعة الإسلامية، والتبيان الأمثل للقرآن الكريم، وسفهت جهود المفسرين والمحدثين والفقهاء جميعاً، ليصبح الدين مبهماً غامضاً بلا تفسيرات أو إيضاحات، بل أن القرآن الكريم نفسه لم ينج من التشويه والتحريف، فعطلت منه آيات محكمات، كما حدث ـ على سبيل المثال ـ بشأن آية الإرث والتجارة.

إن الإسلام الحنيف الذي أرسى أسس التكافل الاجتماعي وقواعد تنظيم الحقوق والواجبات والمشاركة الاجتماعية، كان من المحتم أن يحور من قبل الحكام الفاسدين ليجعلوه مقصوراً على الجانب الغيبي، ويطمس فيه الجانب الموازي الذي ينظم الحياة والمجتمع ويضمن للإنسان حقوقه وواجباته.

هكذا وضع المخطط، وهكذا يحاولون تنفيذه، ولكن شعبنا الذي شهد له التاريخ بشدة المراس، دفع بطلائع صفوفه لمقاومة هذا الوضع المشبوه، فسقط الشهداء وامتلأت المعتقلات بالمجاهدين والمناضلين الشرفاء، واحتجز الآلاف من الشباب في المعسكرات لمدد غير محدودة بدعوى التجنيد الإجباري، بل أن مدننا الكبرى تحولت في النهاية إلى معسكرات اعتقال كبيرة تحت أكذوبة ما يسمونه بـ " تجيش المدن"!.

 

طبيعة المرحلة

        ومن هنا، فإن الساحة الوطنية بكل دوي الأحداث المتلاحقة عليها، أصبحت تنبئ بمرحلة جديدة من نضال شعبنا الطويل والمتواصل، ذلك أن تقتيل العشرات بل المئات من المواطنين، والزج بالآلاف من أبناء شعبنا في السجون ومعسكرات الاعتقال، ونزوح الآلاف من الليبيين إلى المنفى، وجو القمع والإرهاب المخيم على البلاد، وتصريحات وبيانات النظام الحاكم التي لا تخرج عن كونها تهديدات بالتصفية والقتل، لا يمكن إلا أن تكون مظهراً لصراع مرير يدور على هذه الساحة الوطنية.

        وحينما يحاول هذا "النظام" كطرف من أطراف هذا الصراع أن يستعمل كل الأدوات المتاحة له، من إرهاب وقمع وتضليل إعلامي من أجل الاستمرار في السلطة أطول فترة ممكنة لتنفيذ المخططات المرسومة له، فإنه يواجه بشعبنا الآبي في الطرف المقابل من الصراع يدافع عن وجوده ضد الفناء ويناضل من أجل تحقيق حرياته وكرامته، وذلك بالعمل لاجتثاث هذا النظام القمعي من جذوره، وبناء نظام وطني ديمقراطي سليم.

        وأمام حقيقة أن الصراع قد وصل إلى مرحلة حاسمة. وإن الزمن في صالح من يستثمره برزت ضرورة التحول في مجابهة هذا النظام من المواقف الفردية إلى الشكل الجماعي المنظم، القادر على إدارة الصراع لصالحه. ومن هنا انبثق "التجمع الوطني الديمقراطي الليبي" باندماج فصيلين من فصائل المعارضة الليبية، ليكون أداة للشعب الليبي في مواجهة هذا المخطط الرهيب.

 

(الباب الثالث)

التجمع الوطني الديمقراطي الليبي .. لماذا؟

إن وثائقنا لا تنسخ بعضها ولكنها تكمل بعضها البعض، هذا ينطبق على أعمالنا أيضا. فوحدة الجهود ودعم الصف النضالي وإيجاد تنظيم واحد لفصيلين من فصائل المعارضة الوطنية لهدف جليل وهام في اتجاه تحقيق تلاحم بقية الفصائل، لتحقيق طموحات شعبنا، وهذا ما تم تنفيذه بين كل من التجمع الوطني الليبي والحركة الوطنية الديمقراطية الليبـية حيث تم دمج فصيليهما في تنظيم واحد باسم "التجمع الوطني الديمقراطي الليبي".

حسب البيان الصادر في يوم الأربعاء 16 سبتمبر 1981، في الذكرى الخمسين لاستشهاد شيخ الشهداء عمر المختار.

إن التجمع الوطني الديمقراطي الليبي هو تنظيم مفتوح لكل ليبـية وليبي وطني واع للعمل الديمقراطي المنظم من أجل تحقيق أهدافنا الوطنية، بذلك فالتجمع الوطني الديمقراطي الليبي يسمو على الأهواء والنزاعات الفردية ليضم بين صفوفه جموع الشعب من أجل إنقاذ الوطن، وهو تجمع نضالي لا يتسع أن يكون أداة لمغامرات طلاب الزعامة.

هذه المقدمة ضرورية لتجيب على السؤال: "التجمع الوطني الديمقراطي الليبي لماذا"؟

فأياً كانت الأسباب والظروف التي أدت إلى قيام النظام الانقلابي في بلادنا، ووصوله إلى ما وصل إليه من تسلط وإرهاب وقمع، فإن ذلك لا يغير من حقيقة الواقع الذي يعيشه الشعب الليبي.

إن شعبنا أصبح يعيش الهزيمة ويتجرع كأس مرارتها الأليمة، ابتداء من الطفل الصغير وانتهاء بالشيخ الكبير.

ونتيجة لسيطرة الانقلابيين على مقدرات الدولة وأجهزتها، وازدياد جبروتهم وطغيانهم لشعورهم بعدم وجود من يقدر على مقاومتهم، استمرت أوضاعنا تسير من سيء إلى أسوأ، ولم تظهر بارقة من أمل في الخلاص من هذا الكابوس الذي يجثم فوق الصدور برغم المحاولات المتواصلة التي قام بها رجال شرفاء، والتي لم يكتب لها النجاح، وكان مصير هؤلاء الشرفاء إما الموت أو السجن، وانتشرت رائحة البؤس والشقاء، وظهرت أصوات التخاذل والخيانة، ووجدت هذه الأصوات من يستمع إليها لغياب الصوت الشريف الذي يبرز للتصدي لها، وتبلبلت الأفكار وانتشرت اللامبالاة والانهزامية، وأضحى الحط من قدر أي عمل وطني يضع ليبـيا ومصالحها نصب عينيه رؤية تغشى الكثير من العيون.

لذلك فقد البعض الثقة بأنفسهم، ومن ثم حجبوها عن الجميع، وندرت معاني التضحية والفداء، وازدحمت الصالونات ببائعي الكلام، بعد أن خلت الميادين من العاملين لساعة الخلاص.

فالآلام المتعاظمة التي يعاني منها شعبنا، وأجواء التقتيل والإرهاب المتزايد الذي يقرضه الطاغية على بلادنا، والتشويه الذي ألحقه بسمعة وطننا، وتسلط الرعاع والحمقى والجهلة وقطاع الطريق على مقدراتنا، وسرقة ونهب وإهدار الثروات، وعملية الإفساد وتخريب الوطن وتكبيل شعبنا الليبي بالحديد والنار، وجعله بتنفس الإرهاب ليلاً ونهاراً، هي التي تدعو إلى وحدة الصف الوطني، والتي أدت إلى قيام التجمع الوطني الديموقراطي الليبي من بين الآلام والمرارة التي يقاسيها شعبنا مستلهماً آماله الوطنية في الخلاص من هذا النظام، وإقامة النظام الوطني الديموقراطي.

 

ضرورة العمل الجماعي المنظم

كيف للجماهير أن تتحرك في مواجهة هذا النظام بإرهابه وانتقاميته، وكل فرد من هذه الجماهير يشعر في قرارة نفسه أنه إذا قام بعمل ما في اتجاه تحقيق أمال شعبه فإنه وحده سوف يتحمل نتيجة هذا العمل وانتقام النظام. أضف إلى ذلك الشعور بالخوف الذي ترسب خلال السنوات الماضية في بعض النفوس.

إن العمل الجماعي المنظم، هو الإجابة الوحيدة على هذا السؤال، إن الشعب الليبي في أمس الحاجة إلى طليعة منظمة تقوده للتغيير والثورة.

والعمل الجماعي المنظم، هو الذي يكفل الفاعلية والتأثير، بعد أن عفا التاريخ على العمل الفردي كأسلوب ناجح في العمل السياسي النضالي. إن العمل الجماعي المنظم، هو وحده القادر على تجميع مجهودات الأفراد وتنظيمها لتصب في جهد واحد مكيف وفعال، كما أنه وحده الكفيل بتبديد هذا الجو الملبد باليأس بشعلة من الأمل وبهرة مشرقة تبشر بالنصر الأكيد، بإذن الله.

 

تبعات العمل الجماعي المنظم

إن النضال الوطني عمل الشرفاء فقط، لا مكان للانهزاميين ولا للجبناء ولا للمترددين أو المتسلقين فيه، والنضال الوطني يلزم بالعطاء والفداء بلا توقع مقابل مادي. إن المقابل الوحيد لنضالنا الوطني، هو حرية الوطن أو الشهادة.

ولا بد أن يلزم العمل الجماعي المنظم العضو:

ـ بالعطاء والفداء من أجل الوطن بلا حدود.

ـ بالجدية والمثابرة والاستمرارية مهما كانت الظروف.

ـ بالانضباط والالتزام الجماعي بأهداف التنظيم.

ـ بالسرية الكاملة في العمل.

ـ بالثقة في حتمية النصر النهائي لقضية شعبنا.

ـ وبالاستعداد للحوار الديمقراطي لاتخاذ القرار والالتزام برأي الأغلبية.

إن أعضاء التجمع الوطني الديمقراطي الليبي، مناضلون لن يبخلوا بأرواحهم عن الوطن وقضيته، وهم على استعداد لتحمل كل تبعات الالتزام بأهداف التجمع حتى النصر إن شاء الله.

 

طبيعة التجمع الوطني الديمقراطي الليبي

أكدت نواميس الطبيعة على مر العصور، استحالة تحرك الجماهير جميعاً بدون أن تبرز منها طليعة من أبنائها يكونون أكثر شعوراً وإحساساً بوطأة الاستبداد والقهر، ويندفعون مناضلين من أجل حرية شعبهم، متناسين ذواتهم ومصالحهم في سبيله. وقد يكون هؤلاء قليلين في البداية، إلا أن إيمانهم واستعدادهم للبذل والتضحية، يضعهم في مكان يمكنهم من تعبئة الجماهير والتحرك بها نحو التغيير والنصر.

فالتجمع الوطني الديمقراطي الليبي، هو تجمع وطني منبثق من صميم إرادة الشعب الليبي للخلاص من النظام الهمجي، وبناء الوطن العصري، فهو يشعر بما يشعر به أفراد الشعب من مرارة وألم، يقاسي بما يقاسيه المعذبون في سجون النظام.

والتجمع الوطني الديمقراطي الليبي، يدعو كل ليبي حر وليبية حرة إلى التلاحم معه، وإلى التحام السواعد، وتجاوز الخلافات أينما وجدت في مواجهة النظام القمعي.

والتجمع الوطني الديمقراطي الليبي يؤمن بالديمقراطية هدفاً من أهداف نضاله، وأسلوباً للعمل داخل تنظيماته، والاقتناع الحر كقاعدة للالتزام بأهدافه، والانتخاب كطريقة لاختيار قياداته من القاعدة العريضة للقمة.

والتجمع الوطني الديمقراطي الليبي، بعيد كل البعد عن الإقليمية، من واقع تمسكه بوحدة التراب الوطني، وعن القبلية من كونه تجمع كل الليبيين والليبيات، وعن التطرف لتبنيه الديمقراطية هدفاً ووسيلةً، وعن التبعية والخضوع، لمنشئه الليبي الصميم، وعن المغامرة لواقعيته. وهو لا يستمد قوته واندفاعه إلا من إرادة الشعب.

والتجمع الوطني الديمقراطي الليبي، يؤمن بأن العمل الوطني ليس تكتيكاً ولا هواية لملء الفراغ، وليس أيضاً للوجاهة أو التمايز الشخصي والترفع عن الآخرين، وإنما التزام دائم نحو الوطن والشعب، وهو لا يرى طريقا للنصر إلا عن طريق الشعب، ولذلك فإن التجمع الوطني الديمقراطي الليبي وأعضاءه ينطلقون من احترام الناس وحبهم والثقة بهم.

والتجمع الوطني الديمقراطي الليبي، وهو يشارك بشكل فعال وقيادي في نضال شعبنا، يضع نصب عينيه دائماً أن طريق النضال طويل وشاق، وأن كثيراً من النجاحات والهزائم لا بد وأن تتخلل هذا الطريق. وإن طول النفس والإصرار والمثابرة هو السلاح الأمثل لقطع هذا الطريق.

وهو حين يصل بالتحليل الموضوعي إلى أن هذا النظام لم يتسلط إلا على هياكل الدبابات، وأنه لم يستمر جاثماً على صدورنا طوال هذه المدة إلا وراء فوهات البنادق، وأنه سيحاول التشبث بها باستعمال السلاح.

فإننا رغم لجوئنا إلى العمل السياسي والتنظيمي والإعلامي، كوسائل آنية للعمل الوطني، رغم ذلك فإننا حين يفرض علينا في المواجهة الأخيرة الاحتكام إلى السلاح، سنكون مستعدين لخوض المعركة الفاصلة مع هذا النظام بضراوة وإقدام نحو النصر الأكيد بإذن الله.

 

دور القوات المسلحة الليبية

إن تحرك القوات المسلحة الليبية في أول سبتمبر 1969 لا يعني أنها قد تآمرت على مستقبل شعبنا، بل إنها قد وقعت كبقية فئات الشعب فريسة المؤامرة.

ليس هذا فقط، بل إنها قد دفعت ثمناً باهظاً بعد انقلاب 69, فقد صفى العديد من ضباطها الأكفاء، وخلخلت مؤسساتها وأجهزتها، وجمد ضباط وطنيون في مهام ثانوية لا تتناسب مع قدراتهم وكفاءاتهم.

 

لقد قدمت قواتنا المسلحة عشرات الشهداء على مذبح العمل الوطني، وتساقط ضباطنا الوطنيون برصاص فرق الإعدام عام 1977، وهم يترنمون بحب ليبـيا العظيمة الخالدة، كما اكتظت السجون بمئات الرجال من أفراد القوات المسلحة، وكم شهدت غرف التعذيب من آلام هؤلاء الرجال الذين لم يرضوا الضيم، وحاولوا من أجل بلادهم أن يزيحوا نظام الطاغية.

 

وبينما يتصاعد نضال شعبنا، فإن القوات المسلحة كقوة منظمة ومسلحة في المجتمع، مطالبة بأن تلتحم في صف القوى الوطنية الديمقراطية، في صف التاريخ والمستقبل، ضد من يحاول وقف التاريخ وحجب المستقبل.

 

إن النظام الوطني الديمقراطي الذي نناضل من أجله، لا يغفل دور القوات المسلحة، بل إن دورها في حماية التراب الوطني، والمؤسسات الدستورية للشعب، والمشاركة المدروسة في خطط التنمية التي يضعها الشعب، هام ومؤثر على المستقبل الذي ننشده.

 

ومن هنا فإن القوات الليبية المسلحة، هي الحاضر والمستقبل، لا تملك إلا أن تكون أداة للقوى الوطنية الديمقراطية الليبية في صراعها الطويل ضد قوى التخلف والاستبداد والهمجية.

 

إن التجمع الوطني الديمقراطي الليبي، وهو يدرك أهمية وحدة الصف، يتبنى بقوة الدعوة إلى ضرورة العمل من أجل إنشاء جبهة وطنية تضم كافة فصائل المعارضة، لزيادة فعالية وتطوير قدرات المعارضة الليبية في مواجهة النظام الانقلابي القمعي، والإطاحة به وتحرير البلاد وإعادة البناء.

 

ووصولاً إلى هذا اليقين، فإن كثيراً من الجهد يجب أن يبذل، وكثيراً من العرق والدم لا بد أن يراق، وكثيراً من المال لا بد أن ينفق، وزادنا في ذلك قدرات وإمكانيات شعبنا الليبي.

 

)الباب الرابع(

جوهر النظام الوطني الليبي الديمقراطي

إن الدستور الذي يعبر عن طموحات الشعب، لهو الأساس الذي يقوم عليه نظامنا الديمقراطي. إلا إن دستوراً لا يوضع من طرف الشعب، يفقد كل الضمانات لاستمراره ورسوخه، والاستعداد لحمايته والدفاع عنه من طرف الشعب نفسه.

ولكم هو طويل وشاق، الطريق نحو تخليص شعبنا من النظام الانقلابي الاستبدادي الذي يجثم على صدور أبنائه، ولكم هي غالية وكبيرة تلك التضحيات التي لا بد أن تبذل في سبيل ذلك. على أن تضحيات أغلى وجهوداً أعظم ستواجهنا حين نتحول من مقاومة ورفض نظام استبدادي، إلى إقامة نظام عصري يحقق الاستقرار والرخاء والرقي والحرية.

إن المرحلة الخطيرة هي مرحلة البناء:

 

وخلاصة تجربة شعبنا، بعد سنين حالكة من التسلط وحكم الفرد الذي انتهك الكرامات، وداس الحريات، وتعدى على كل الحقوق والمكتسبات .. خلاصة هذه التجربة المرة وحصادها تملي علينا بوضوح وتحديد:

إن حكم الفرد مرفوض، وإن التسلط والاستبداد مرفوض. وإن غياب الدستور مرفوض. وبذلك نوجد الضمانات اللازمة لكي لا تعود هذه التجربة المرة لتخيم على يوم من أيام مستقبلنا ومستقبل أجيالنا.

وكم هي رخيصة وكاذبة، تلك الادعاءات التي تحاول أن تصور شعبنا بالقاصر عن ممارسة حرياته وحقوقه كاملة، جاعلة من ذلك مبرراً لقيام حكم مستبد من جديد.

إننا لا ننكر إن قرون التخلف الطويلة قد تركت آثارها على بلادنا، وإن ظواهراً سلبية قد انتشرت بين أبنائها، فالتعصب القبلي والإقليمي، والنفاق والانتهازية، والأمية السياسية والتطرف الجاهل، تمثل مشاكل ومعوقات للنظام الديمقراطي، على أن ذلك كله نشأ وتفشى نتيجة سيطرة النظام الفاشي، وممارساته الإرهابية واللا أخلاقية، وانعدام الشعور بالأمان، وغياب الحوار الحر والمناخ الديمقراطي النظيف.

إن مشاكل الديمقراطية، لا تحل إلا بمزيد من الديمقراطية، وإن معوقات الحرية، لا تهدم إلا بمزيد من الحرية. فالخوض بهمة ووعي في الديمقراطية والحرية الكاملة، هي السبيل الوحيد لمحاربة الظواهر السلبية، والتخلف، والانطلاق إلى آفاق التقدم والإبداع.

إن الطفل لا يتعلم الوقوف على قدميه، إلا إذا خاض هذه التجربة بنفسه، والشعوب لا تصل إلى الممارسة الديمقراطية الصحيحة، إلا إذا خاضت فيها بجدية وانهماك وإصرار عليها. كما أن الممارسة الديمقراطية الحرة والحقة، هي سلاحنا ضد المؤامرات المسلحة، والانتكاسات الانقلابية التي أثبت تاريخ المنطقة كلها أنها لا تؤدي إلا إلى تجميد عملية التطور الطبيعي للشعوب. بل وفي كثير من الأحيان إلى إجهاضها والعودة بها إلى الوراء، كما حدث في تجربتنا القاسية، وتجربة المنطقة كلها خلال النصف الثاني من هذا القرن.

ومجتمعنا، حين يوجه جهوده نحو البناء، يصبح لزاماً عليه أن يحدد أهدافاً تلهمه ويرسي مبادئ تضيء الطريق أمامه. إن الفراغ ليس منطلقنا ونحن نحدد أهدافنا ومبادئنا. فنحن نستند على تراث عريق ودين عظيم أضاء العالم حينما كان يتوه في الظلام. ونستند إلى جهاد طويل ضد الاستعمار الأجنبي، من أجل دعم الاستقلال الوطني، وتحقيق الحرية ورفض الظلم والاستبداد، وإرادة أكيدة في التغلب على التخلف وتطوير حياتنا.

ومن هنا فإن الأهداف التي تلهم نضالنا هي:

أ‌.         رقي واكتمال مكتسبات الإنسان الليبي، بالحفاظ على عقيدته وصيانة حقوقه الأساسية، وتوسيع دائرة حرياته العامة. وفتح أبواب الكسب الشريف أمامه، مع توفير جميع الضمانات له في أحوال المرض والعجز أو التقاعد.

ب‌.     دعم السيادة الوطنية بكل ما تعنيه من صون للاستقلال، وحماية للتراب وسيطرة على الثروة، واحترام للعقيدة والقيم الإنسانية، وعدم الانحراف عن المسار الديمقراطي، وبناء العلاقات الدولية على أساس الاحترام المتبادل، في إطار المصالح العليا لبلادنا.

أما المبادئ التي ستنير لنا الطريق نحو تحقيق هذه المصالح فهي:ـ

1.     إن الاستبداد والتسلط مرفوض مهما كانت الأسباب.

2.     إن لحقوق الإنسان وحرياته حرمة لا تنتهك.

3.     إن تكون بلادنا وطناً للمشاركة البناءة بين أبنائه من أجل البناء والتشييد، والانطلاق في اتجاه التقدم.

4.     أن يكون الحوار والأسلوب الديمقراطي هو الطريق الوحيد للعمل السياسي، مع احترام كل الآراء المسؤولة والبناءة.

5.     أن يكون العدل هو أساس وحدة المواطنين، فالقانون رفيق الجميع والالتزام به شرط المواطنة.

6.     قدسية الدين، واحترام التراث يمثل ضمانة حقيقية للاستقرار والتوازن.

 

في العمل السياسي

لا معنى لنظام سياسي ديمقراطي، إلا بكونه معادلة سياسية تحقق التوازن لمختلف قطاعات وفئات المجتمع، ولا يتوفر ذلك إلا إذا عمل النظام على دعم السيادة الوطنية والانفتاح على كافة فئات المجتمع دون التحيز لفئة أو امتياز لقطاع. ويحقق النظام الوطني احترامه في أوساط المواطنين باستجابته السريعة لمشاكلهم. وضمان تغيره السلمي عن طريق قنواته الديمقراطية، تجاوباً مع المتغيرات الاجتماعية التي لا بد أن ترافق عملية التنمية، وأيضاً المحافظة على القانون الذي يسنه الشعب، وضمان تطبيقه بحزم وتعقل ونزاهة.

إن الديمقراطية في مفهومها المعاصر قد أصبحت منطلقاً كاملاً، ينطلق من حقوق الإنسان التي نزلت بها الأديان، وصاغها المعاصرون في مواثيق ثابتة. ويتبلور حول ديناميكية مستمرة من الاختبارات الحرة للشعب، بما يحقق إرضاء مختلف قطاعاته، وبالتالي يدعم الشرعية. إن كثيراً مما كانت تعنيه الديمقراطية لم يكن ليخطر على بال أولئك الذين استحدثوها عندما صاغوا هذا اللفظ.

لم تعد الديمقراطية تعني فقط: حكم الشعب بالشعب. فكثير من الجرائم يمكن أن ترتكب تحت ستار هذا المفهوم الضيق.

من هنا، فإن الاختيارات الحرة للشعب لا تتحقق إلا بتعدد الآراء المطروحة، وتعدد المؤسسات التي يكون الاختيار عن طريقها، وتعدد الوسائل التي تساعد على تكوين الرأي العام المستنير لدى الشعب، هذا هو جوهر الديمقراطية، كما نراها.

إن مؤسسات الدولة والقوى الاقتصادية والمنظمات السياسية ووسائل الإعلام هي القوى الأساسية داخل المجتمع، وإذا تجمعت سلطتان من هذه السلطات أو أكثر، يجعل من النظام نظاماً استبدادياً.

إن إيجاد الضوابط التي تمنع تحكم واستبداد أي طرف من هذه الأطراف بالأطراف الأخرى، والتي تمكن الرقابة المتبادلة بين تلك السلطات، يجعل فصل هذه السلطات ضرورياً لقيام الديمقراطية والحفاظ عليها. إذ من يحمي العامل أو التاجر إذا كانت السلطة الاقتصادية هي سلطة الدولة؟ ومن يعبر عن الرأي المعارض إذا امتلكت الدولة وسائل الإعلام والتعبير.

كما إن تحقيق التعدد والفصل داخل كل سلطة من هذه السلطات ضروري أيضاً.

ا) البناء الديمقراطي للسلطة السياسية

أ. إن السماح بتعدد الأحزاب والتنظيمات، عوضاً عن كونه ينطلق من حق الإنسان في التجمع كحق أساسي من حقوقه، فهو يعطي المضمون الحقيقي للاختيارات الحرة للمواطنين في تشريعات وسياسات دولتهم.

إلا أن قواعد قانونية لا بد أن نضبط العمل الحزبي، حتى يكون عاملاً بناء ولا يتحول إلى تفتيت للجهود الوطنية، فليست الأحزاب المقصودة أحزاباً تقام على أساس إقليمي أو قبلي أو عنصري، أو على أساس الإرهاب والوصول إلى السلطة عن طريق العنف.

ب. التمييز الحقيقي بين سلطات الدولة، يعني فصل السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية واستقلالية القضاء، فليس من الديمقراطية أن يكون الحاكم هو المشرع والمنفذ والقاضي.

ج. بناء جديد للإدارة المحلية، تنتخب فيه المجالس المحلية مباشرة وبعيداً عن نفوذ السلطة المركزية، وذلك للظروف الخاصة لكل منطقة والتي يجب أن تراعي عند التصدي لحل مشاكلها، وأيضاً لتحقيق تنافس بناء في التنمية بين مختلف المناطق.

2) البنية الديمقراطية لجهاز الإعلام

إن حق الإنسان في حرية التعبير لا يعني فقط ما يتحدث به، بل أيضاً يمتد إلى حقه في التعبير عن طريق الصحافة والإذاعة وجميع الوسائل التعبيرية الأخرى. لذلك فإن تنوع الصحافة وميولها ضروري لاستمرارية الحوار الديمقراطي، كما أنه الطريق الوحيد نحو بلورة الأفكار والآراء، وينطبق هذا على مختلف وسائل التعبير الأخرى. إلا أن الرقابة المالية على هذه الوسائل، ضماناً لعدم السيطرة عليها من قبل جهات أجنبية، أو احتكارية، ضروري للحفاظ على استقلاليتها ونزاهتها. والقانون، في هذه الحالة، يمثل السياج الذي يمنع وسائل التعبير من الانسياق وراء مهاترات، أو تهجمات تحولها عن دورها الحقيقي كمنبر لتوعية الرأي العام واستنارته.

 

3) سيادة القانون:

إن القانون هو الذي ينظم العلاقات بين مختلف أفراد المجتمع، وهيئاته ومؤسساته. وتطبيقه على مختلف أفراد الشعب هو ضمان العدالة في هذا المجتمع. على أن القانون الذي نعنيه هو القانون الذي يضعه الشعب عن طريق مؤسساته الدستورية والسياسية. إن التشريع في بلادنا المسلمة لا يمكن أن يتعارض مع شريعتنا الإسلامية وقيم ديننا وتراثنا، إن سيادة القانون لا يعني جموده، بل إن التغيير الدائم لهذا القانون مع ما يتمشى مع التطورات الاجتماعية هو ضمان تطابق هذا القانون مع مصالح الفئات المختلفة في المجتمع، وعدم انفصاله وانفصامه عن الواقع.

إلا أن أي تغيير يفرض من السلطة التنفيذية لتوسيع سلطتها، فهو مرفوض لأنه خطوة في اتجاه الدكتاتورية والاستبداد.

وأخيراً، فإن الدستور الذي يضعه شعبنا ويعتمده، سيكون الحكم بين مختلف هيئات المجتمع، ومؤسساته وأفراده، وكل ما كان هذا الدستور معبراً عن آمالنا في الحرية تعسر على أي مغامر أو انقلابي أن يتهجم عليه أو يطويه.

هذه هي الأسس التي نريد أن يقوم عليها نظامنا السياسي لتحقيق الديمقراطية.

 

(الباب الخامس)

في المجال الاقتصادي والتنمية

 

في مجال دعم السيادة الوطنية، نجد أن السيطرة الفعالة على المصادر الطبيعية للثروة الوطنية كالنفط وتطوير الاقتصاد الوطني عن طريق خطة علمية للتنمية تستهدف تحقيق العدالة بين مختلف أفراد الشعب، من أهم سبل دعم هذه السيادة، إن وضع خطة لتنمية الاقتصاد الوطني في ظل أهدافنا العامة من تطوير مكتسبات الفرد الليبي، ودعم السيادة الوطنية لهى ضرورة عاجلة، بعد سنين عجاف هدم فيها الكثير من البنية الاقتصادية والاجتماعية لبلادنا.

 

        إن الممارسات الاقتصادية الحالية، تعتمد أساساً على استنزاف ثروتنا النفطية بأكبر قدر ممكن، حيث تدل الإحصاءات الرسمية، على أنه نتيجة لهذا الاستنزاف المبيت والمخطط له صرف عوائده على مشاريع فاشلة وأسلحة لا نحتاج لها، سيؤدي في النهائية إلى نضوب هذا المورد الاقتصادي الهام مع نهاية هذا القرن، مع عدم وجود أي تخطيط علمي سليم يضع في الاعتبار بدائل اقتصادية وإنتاجية للأجيال القادمة. لذلك فإننا نؤمن إيماناً كاملاً بأهمية الحفاظ على هذه الثروة الهامة لأطول مدة ممكنة، مع استثمار العوائد النفطية ـ ومن الآن ـ في مشاريع اقتصادية مدروسة كبديل فعلي لتنمية الاقتصاد الليبي في مرحلة ما بعد النفط.

لذلك فإن توسيع الرقعة الزراعية، والتحول من الاقتصاد الاستهلاكي والسلعي، إلى الاقتصاد الإنتاجي وتصنيع النفط، وتطوير جهاز الخدمات العامة من طرق وهاتف وكهرباء وتعليم وصحة، تعد أهدافاً نطرحها لتتضمنها خطة للتنمية بعد دراسة واعية لمعطيات الواقع، واضعة في الاعتبار إمكانية تواجد نوع من أنواع التكامل الاقتصادي بين الدول العربية. على أن يكون ذلك في ظل الحفاظ على المنافسة وحرية النشاط الاقتصادي المنظم.

وقد يخطر على الأذهان أن حرية النشاط الاقتصادي ضرب من اختلال التنظيم والفوضى من مجتمع متخلف يود التطور السريع نحو التقدم، إلا أن هذا ليس صحيحاً، إن الاقتصاد الحديث جهاز كثير التعقيد تؤثر فيه الآلاف من المتغيرات والظروف التي تستجد كل يوم، مما يجعل جهازاً اقتصادياً مركزياً واحداً للنشاط الاقتصادي صعباً في ظل الظروف الموضوعية لمجتمعنا ووطننا.

ومن هنا، فإن المبادرات الفردية للقطاع الخاص ضرورية، حين تكون في إطار الترشيد المستمر حسب خطة وطنية للتنمية، وعن طريق توجيه المجتمع لأنشطة القطاع العام والإنفاق الحكومي والاستقطاعات والإعفاءات الضريبية وتشجيع الاستثمار وتطويره وكذلك صون حرية العمل النقابي لتحقيق التوازن بين أرباب العمل والعمال، تحقق سبيلاً مأموناً للتطور والتقدم والعدالة.

إن الخطة الوطنية للتنمية المبنية على الدراسات العلمية الدقيقة، حينما توضع في ظل الحوار المستمر بين مختلف قطاعات الشعب، عن طريق مؤسساته الدستورية وتشكيلاته النقابية، وأجهزة تكوين الرأي العام، وقنواته الديمقراطية. إنما تحقق العدالة بين مصالح الأغلبية وعدم إهدار حقوق الأقلية.

وهكذا ترتبط البادرة الفردية، بالتحرك الواعي الجماعي بقيادة ديمقراطية غير متسلطة، تفتح الآفاق أمام تطوير بلادنا، مستغلة الثروات التي وهبها لها الله بجهد أبنائها ومساهماتهم المسؤولة. في ظل الاستقرار الذي يتحقق عن طريق الديمقراطية السياسية، والاقتصاد الموجه، الذي يضمن لنا مجتمع الكفاية والازدهار والعدالة.

إن ما آلت إليه أوضاع اقتصادنا الوطني نتيجة الإجراءات الجاهلة للسلطة الفاشية، والتدابير المرتجلة العقيمة زعزعت الأسس السليمة لإمكانية تطوير اقتصادنا في الاتجاه الصحيح ودفعت به إلى تعقيدات تجعل أمر التصدي لعلاجها في غاية الصعوبة.

إضافة إلى أن مهمة دراسة قضية الوضع الاقتصادي، والإحاطة بكل ما حل به خلال هذه المرحلة الحالكة والفوضوية من أزمات للوصول إلى نظرية متكاملة لانتشاله من الهوة السحيقة التي تردى فيها. ووضع الحلول الناجمة لإعادة بنائه على أساس علمي وواقعي، يحتاج إلى جهد كبير، ووقت كاف، ومعلومات دقيقة وإحصائيات كاملة وصحيحة.

إن ذلك كله يجب أن يؤخذ في الاعتبار قبل التسرع في تقديم تصور كامل عن هذا الموضوع الحساس الهام.

لذلك فإن سقوط هذا النظام الفاشي الفوضوي، وقيام السلطة الوطنية المعبرة عن إرادة شعبنا، والتي تمثل جميع فئاته وتياراته داخل المؤسسة الدستورية التي نطمح ونعمل لقيامها، هو السبيل الوحيد للتصدي لمعالجة قضية اقتصادنا الوطني، وتحديد اختيارات الشعب فيما يتعلق بالأسس التي يجب أن يقوم عليها النظام.

ومما لا شك فيه، فإن أولى المهام الأساسية التي تلي الإطاحة بالنظام العشائري الفوضوي من حيث الأهمية، هي إعادة تنظيم الاقتصاد الوطني، وإرساء أسسه العادلة بما يكفل إعادة الحقوق إلى أصحابها، ورفع ما وقع على المواطنين من جور ومظالم وتعديات، وتهيئة الظروف المناسبة واللازمة للبدء في تحقيق التنمية الاقتصادية التي تحقق الازدهار والعدل للجميع.

 

(الباب السادس)

في السياسة الخارجية

 

إن تصدينا لقضايا شعبنا، والتركيز الواضح على مشاكل بلادنا، من خلال هذا التصور للعمل الوطني الذي نطرحه له في واقع الأمر الكثير مما يبرره، ولكنه لا ينبغي أن يجرنا إلى صرف النظر عما يجري خارج حدودنا، ولا عن الاهتمام بتقديم رؤيتنا لقضايا المنطقة التي نحن جزء أصيل وحيوي منها.

فالواقع، إن ليبـيا بحكم العديد من الاعتبارات التاريخية والجغرافية والاقتصادية، جزء من مغربنا العربي الكبير، وهي بحكم موقعها على أساس هذه الاعتبارات، كانت وستظل همزة الوصل الوحيدة بين جناحي الوطن العربي، إنها الجسر الوحيد القوي والعريض الذي يربط جزئية ويدعم أواصر الوحدة الشاملة بين أقطاره المفتوحة على الساحل المقابل من حوض البحر الأبيض المتوسط.

وإذا ما أخذنا هذا كله، ووضعناه في مكانه الصحيح من الاعتبار، فإننا سنخلص إلى جملة من الحقائق التي نبني عليها موقفنا من القضايا المطروحة على ساحة المنطقة العربية والإسلامية والدولية.

فنحن جزء من الوطن العربي الذي ناضلت شعوبه في صف واحد ضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية، والتي تناضل مجموعاته البشرية المتجانسة والمتكاملة، منذ الفتح الإسلامي من أجل تحقيق وحدتها السياسية الكبرى، لفائدة مجموع السكان على أساس العمل على إنضاج الشروط الموضوعية، وتوفير الإمكانيات الواقعية، وعدم تخطي المراحل حتى لا تجهض الوحدة المنشودة أو ترتجل، أو تقوم على أسس لا تتوفر فيها أسباب نجاحها الأساسية من التكامل الاقتصادي والاختيار الشعبي.

 

فالوحدة بين مجموعة من الأقطار العربية؛ في تصورنا، لا يمكن أن تتحقق دونما توفر أسبابها الواقعية، وشروطها الموضوعية الصحيحة، ودونما استنفاذ مراحلها الزمنية الكاملة، ودون قيام أنظمة حكم ديمقراطية، تجعل الوحدة لا تفرض من الحكام على المحكومين، أو تجعلها مجرد وحدة حكومات، أو أنظمة غير معبرة عن إرادة شعوبها.

فالوحدة، التي يراد لها الدوام والاستمرار والنجاح، لا يمكن أن تتم دون أن تتمكن شعوب بلدانها من التعبير الحر عن اختياراتها الحقيقية، بالنسبة لجميع القضايا والمسائل المتعلقة بها.

وإلى أن يتحقق ذلك، فإن علاقة بلادنا مع أشقائنا العرب، وإخوتنا المسلمين، وجيراننا الأفارقة، ينبغي أن تتوطد وتنمو على أساس حسن الجوار، واستجابة لمعطيات الواقع المشترك، وعن طريق التعاون المتبصر والمتزن، من أجل حل مشاكلنا والتصدي لواقع التخلف، والسير بشعوبنا نحو تحقيق أهدافها في التقدم والعدل والحرية، آخذين في المقام الأول أن قضيتنا القومية الأساسية، هي قضية فلسطين، التي هي قضية تحرير الأرض المغتصبة وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

إن قضيتنا العادلة في فلسطين، ومساهمة شعبنا في نصرتها، ليست موضع تشكك أو حوار بالنسبة لموقعها من اهتماماتنا من حيث الأسس والمبادئ، وإن كنا نبدي الكثير من الحرص في عدم التورط بالنسبة لما يظهر على الساحة العربية من خلافات، أو تصادم حول أفضل السبل في معالجة تفاصيلها، ووسائل حسمها.

وعلى ضوء هذه النظرة الواعية والواقعية في تصورنا للعمل الوطني، وانطلاقاً من مبادئ تجمعنا الوطني الديمقراطي الليبي، القائمة على الانتصار للحرية والمساواة، ومن احترام المصالح الوطنية المتصلة بالمبادئ والقيم الإنسانية، فإننا نؤمن بضرورة قيام علاقات دولية مستندة على التكافؤ واحترام السيادة الوطنية، وتبادل المصالح المشروعة في اتجاه خدمة التقدم البشري، واستتباب السلم العالمي القائم على العدل، ورفض سياسة الهيمنة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وإدانة التمييز العنصري، وكافة أشكال الاستغلال والتعدي، والابتعاد عن التورط في صراع المعسكرات ودوائر النفوذ.

 

ويبقى التصدي للمحاولات الدولية لاختراق المنطقة واستقطاب دولها إلى دوائر نفوذ هذا المعسكر أو ذاك، للعودة بها إلى الوقوع تحت السيطرة الأجنبية، هو الذي يجعل التجمع الوطني الديمقراطي الليبي يشدد على أهمية تيار عدم الانحياز، والعمل على دعم التوجهات الصادقة لإرساء أسسه، حفاظاً على استقرار المنطقة التي نحن جزء منها، ودفعاً لمخاطر الانزلاق إلى كل ما من شأنه تهديد السلم العالمي، الذي هو قضية كل إنسان شريف في عصرنا الراهن.

 

ونؤكد أيضاً على ضرورة التمسك الكامل، بحق الشعوب في تقرير اختياراتها فيما يتعلق بنظمها السياسية والاجتماعية، ونؤمن بضرورة المساهمة الفعالة في الكفاح من أجل التقدم الإنساني، ونضال الشعوب من أجل الحرية والكرامة والرخاء والديمقراطية، منطلقين في ذلك كله من أن الشعب الليبي هو صاحب القرار والاختيار في مسار وتقرير سياسته الخارجية، من خلال مؤسساته الدستورية وهيئاته الديمقراطية.

 

المكتب السياسي

الخميس 14 يناير 1982

                       
 
 



 حالة الطـقس اليوم
      بنغازى      سبها    
طرابلـس