Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player



الوقت في ليـبيا











 
ضعف الشعوب خدّاع، لأنه قوى متفرقة في نفوس متفرقة، ولكنها عندما تجمعت يوم 17 فبراير، كانت الرجفة التي هزت الأرض من تحت أقدام الطغاة، ونقلت التاريخ من فصل إلى فصل!   ليبـيا التى تمتد جذورها فى أعماق الأزل، صنعت ثورة 17 فبراير ليبدأ ربيعها الساعي إلى الحرية والديمقراطية، بعد أن طال شتائها لأكثر من أربعة عقود! فكانت نهاية حقبة مظلمة في تاريخ شعب طيب، ونهاية طاغية أراد أن يزيّف وجه التاريخ، لينتهى طريداً ... لشعاراته ... تلاحقه لعنة الله، والناس، والتاريخ!
 

مايجب أن يقـال

ذكرى الاستقلال ... عوداً  عن بدء
 

ستون عاماً، رحلة زمنية من عمر ليبـيا الحديثة، حملت في ثناياها إنجازات وإنكسارات، إنتصارات وهزائم، أحداث وصراعات، عودة إلى الوطن ثم ردة عنه، ثم عودة إلى أحضانه من جديد، ستون عاماً مرت عن ميلاد كيان سياسي عربي ليبي لعب خيار الجهاد والبذل، العنصر الفاعل في تحقيقه ونقله إلى المكان الصحيح بين الدول والأنظمة الطامحة لمستقبل يلحق بغيره من المجتمعات في شتى المجالات.

ستون عاماً مرت على وقفة الملك إدريس السنوسي في شرفة قصر المنارة ببغازي في الرابع والعشرون من ديسمبر 1951م، حيث كانت بداية لمسيرة شعب ومجتمع نحو البناء والتحديث، عندما أعلن في كلمة قصيرة إستقلال وطن ونهاية تاريخ إستعماري طويل وقاسي؛ فقد كانت تلك اللحظات التاريخية تجسيداً وتعبيراً عن ماضي ذهب بقسوته وشدة وطأته، وغد قادم يحمل الآمال والتطلعات لتحقيق التقدم والإزدهار، فكانت الدولة والمجتمع على موعد مع معارك البناء والتغيير، الذي كان يتوق إليه مجتمع ناضج وجاهز لخوضه والتعاطي معه، وكانت في الانتظار عند أول الطريق أزمات ومشاكل إقتصادية وإجتماعية، هي ميراث عهد إستعماري فاشي، الى جانب إفتقار الوطن للقدرات الإقتصادية والتقنية وغياب البنيان المؤسسي السياسي، عرقلت جميعها من الإنطلاق السريع المراد في عمليات التأسيس والبناء.
 

كانت المراحل الأولى من عمر الدولة الفتية، عنواناً حقيقياً للصراع والتحدي، بين إرادة المجتمع ومعوقات وإحباطات الواقع، وقد كشف المجتمع والمواطن في هذا الصراع عن مكنوناته الحقيقية التي عبرت عنها إرادة قهر الظروف، وإظهار الذات الفعالة والمشكلة للواقع دون أن تخضع لمرارته وقسوته، تستمد من الحلم والأمل، القوة الدافعة، للمسيرة البنيوية عبر عنها دستور عصري حديث، تفتقد إليه معظم دول المنطقة ليس في ذلك الوقت وحسب بل إلى الآن، وحياة ديمقراطية صحيحة ترجمها برلمان منتخب مارس، دوره التشريعي والرقابي دون وصاية، وهامش واسع من الحريات العامة والخاصة تمتع بها المواطن في التعبير عن رأيه ووجهة نظره في كثير من القضايا القومية والوطنية، فكانت هناك منابر صحفية وثقافية حرة وخاصة للنقد و المصارحة دون مساءلة أو خوف أو تحديد لمسار الكلمة والخطاب.
 

لم تكن الحياة السياسية أكثر حظاً من غيرها، فقد أخذت المؤسسة التعليمية الجهد والعمل الذي تستحقه، حيث كانت من أولويات الدولة الفتية هي الإهتمام بالتعليم والثقافة وإعداد الكوادر العلمية والفنية اللازمة والمنشئة لمؤسسات وأركان الدولة الحديثة، وفي هذا الاتجاه تم التوسع في مجال التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي بإنشاء المدارس والمعاهد الفنية والتعليمية، واقتحمت الدولة الحد الأقصى لهذا المجال في فترة قصيرة، بإنشاء وتأسيس جامعات ليبـية متنوعة التخصص، وكان في الإدراك الساعي للنهوض والارتقاء بالمجتمع والدولة، أهمية تواجد بنية أساسية سليمة وصحيحة، تخدم المواطن وتهيئ له سبل القيام بأعباء مسئولية المشاركة بجدية في عمليات البناء، فجاء الاهتمام بالمرافق العامة إنطلاقا من هذا الإدراك، والتي لها صلة مباشرة بهمومه اليومية، وتوفير كافة إحتياجات ومتطلبات الحياة في مجتمع سليم ومتعافي.
 

كان لإكتشاف البترول، وإنتقال الوطن إلى مصاف الدول المنتجة له، آثاراً إيجابية في قدرة هذه الدولة الوليدة على السير بخطى أوسع نحو تحقيق طموحاتها التنموية، فقد كان لظهور النفط الفضل في تزاوج القدرة الاقتصادية مع إرادة  التحدي لمجتمع متجانس و متحفز، فقد عمل هذا الثالوث على اكتساب الممكن، وهو القدرة على الإنجاز وتقريب الحلم، وخطت الدولة الفتية في سنوات قليلة، لا تتجاوز عدد أصابع اليدين، خطوات إلى الأمام في طريق التحديث والبناء، وهي موقع إعتزاز وتقدير، لا نقول هذا حتى نبدو كالمدافع الذي ينظر إلى ما يخصه على انه الأفضل والأرقى، ولكن ما نقوله هو الحقيقية التاريخية التي يمكن التحقق من مصداقيتها دون عناء، فبعودة إلى ملف تلك الفترة التاريخية نتـبين بالأرقام والمقارنات والقياس، جدية ما أنجز وتحقـق في سنوات حكم ليست طويلة.
 

في تلك المعارك البنيوية التي خاضتها الدولة الوليدة بنظامها السياسي، وقواها وتياراتها الفكرية والسياسية، أغفلت الآثار السلبية التي تتركها هذه المعارك على الجوانب والحواشي، فقد إنهمك النظام السياسي، واستغرق في تلك المعارك دون أن يعطي قدراً من الاهتمام إلى تلك التطورات والمتغيرات السياسية والإجتماعية التي كانت تحدث خارج الوطن، بجانب تقديره غير المناسب، للأطماع والتحديات التي عبرت عنها أجندات واستراتيجيات خارجية، غير منسجمة أو متفقة مع المهام الوطنية، بالإضافة إلى عدم فهم ما أحدثه ظهور النفط من تغيرات هيكلية بالبناء الاجتماعي الذي أفرز قوى سياسية واجتماعية ناشئة، تأثرت بشكل أو بآخر بما يجري خارج الوطن، ولم يتم استيعابها بقدر كافي داخل المشروع الوطني، ومع مرور الوقت أخذت الهوة التي تفصل بين الطرفين في الاتساع، نخبة وقوة سياسية ناشئة اهتمت بقضايا وهموم اقل ما يمكن وصفها أنها ليست من بين مطالب وأولويات المجتمع المرحلية، ونظام سياسي اقتصرت رؤيته وحركته على الداخل دون إعطاء تلك المتغيرات والمطالب الجديدة القدر الضروري من الفهم والتعاطي.
 

في هذا الواقع، وجد المتربصون الفرصة سانحة للإنقضاض على تلك التجربة الوليدة وإجهاضها قبل أن يكتمل عامها الثامن عشر، حيث تمكنت قوى الشر من قطع التواصل التاريخي، وحرق مراحل التطور الطبيعي التي تسلكه المجتمعات في حركتها التاريخية، فقد تم في سبتمبر عام 1969م الانقضاض على السلطة والقضاء على مفهوم الاستقلال الوطني بمحتواه السياسي والاجتماعي، ودون الخوض في تفصيلات وتحليلات، أو اللهث وراء الأسباب والممارسات التي أدت إلى ذلك، والبحث والتنقيب عن من كانوا وراء ذلك، ومن هم أصحاب المصلحة الحقيقية في ذلك الانقطاع، إلاّ أن من المؤكد أن هذا الحدث مثل القطيعة مع الأوضاع التي كانت قائمة قبل ذلك التاريخ المشئوم، فقد اختلفت التوجهات السياسية والاجتماعية وتباينت الأهداف والمصالح، وتشكلت حقبة دكتاتورية تطابقت ممارساتها وسياساتها مع حقبة ممارسات وسياسيات الاستعماالفاشي، ولم تكن حقيقة هذا التطابق غائبة عن إدراك ووعي المجتمع وقواه الحية، الذي كان حاضراً بالمقاومة والتصدي منذ البداية، حيث أختزن في وعاء الذاكرة الجماعية إرادة الرفض وروح التصميم، على طرد المفروض واسترجاع المسلوب، جيل بعد جيل، حتى تمكن في السابع عشر من فبراير2011، من إيصال الماضي بالحاضر، وإعادة الحقوق المسلوبة إلى أهلها، ليصبح يوم الاستقلال كما كان هو البداية الحقيقية لميلاد هذا الوطن، حيث سطعت من جديد، كالعنقاء، في سماء الوطن راية الاستقلال لتحتضن بكرامة وعزة شعبنا، ويردد نشيد الاستقلال ليهز، في نشوة الانتصار وقوة العزيمة، أركان الوطن، في مشهد تاريخي يحمل معاني الوفاء وإعادة الاعتبار لفترة تاريخية ظلمت وشوهت، ويجدد العهد والوعد على عدم التفريط من جديد في إستقلال الوطن الذي عاد.
 

غير أننا متيقنين ومدركين من إستحالة عودة الماضي بمفرداته وتفاصيله، ولكننا أيضاً نعي ونفهم أن القيم والمثل، لا تبدل ولا تتغير من عصر إلى عصر أو زمن إلى زمن، فاستقلال الوطن وحرية المواطن، ومشاركته الحقيقية في صياغة حياته السياسية والاجتماعية، وتحقق مبدأ العدالة الاجتماعية والمساواة، كلها قيم ومفاهيم إنسانية باقية، وهي التي تريد تحقيقها وعودتها مع استرجاع يوم الاستقلال.
 

ولعل هذه الذكرى الخالدة التي نحتفل بها بعد انقطاع دام أكثر من أثنى وأربعون عاماً، تعطي المناسبة والفرصة، قبل فوات الأوان، لمن يملكون السلطة العليا في الوطن اليوم، للتقييم الجاد والفهم السليم لهذه المرحلة الخطيرة التي يمر بها الوطن، والتي تتطلب إحساساً عالياً بالمسئولية، وفهماً وإخلاصاً للمثل العليا والأهداف السياسية التي نقصدها، فإن العملية السياسية في الفترة الانتقالية، للأسف، يشوبها الكثير من الأخطاء والقصور في التعاطي بشكل يبعث عن التفاؤل في إدارتها، وإنجازها المهام الوطنية، لفقدانها الرؤية الإستراتيجية المتكاملة لهذه المرحلة ومتطلباتها الحيوية اللازمة لنقل الوطن إلى مرحلة الاستقرار، وإقامة البديل الوطني الديمقراطي، فقد اتسمت العملية السياسية الحالية والمشرف عليها المجلس الوطني الانتقالي، بعناصر وسياسيات استفزت الشارع الليبي، بدل أن تقدم له أسباب وشروط الاطمئنان لمسلكها وإدارتها، وبناء جسور الثقة بالاقتراب من مطالب وأهداف ثورة السابع عشر من فبراير الواضحة والمحقة، فهم أمام مسئولية وطنية وأمانة تاريخية، عليهم أدائها بوعي المسئول وفهم المدرك، قبل أن ندفع الثمن الباهظ لاحقا، ونجد أنفسنا أمام اغتراب سياسي واجتماعي آخر.
 

فعلى الجميع تقع مسئولية إيجاد نقطة البدء القاصدة نحو إقامة وطن الاستقلال والمشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية، حيث أن فشلنا في تحقيق ذلك، يعني على الأجيال القادمة مواصلة الجهد والمقاومة، لتستعيد استقلالا لم نستطيع المحافظة عليه للمرة الثانية.
 

صـوت ليبـيا

24 ديسمبر 2011

     



 حالة الطـقس اليوم
      بنغازى      سبها    
طرابلـس