Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player



الوقت في ليـبيا











 
ضعف الشعوب خدّاع، لأنه قوى متفرقة في نفوس متفرقة، ولكنها عندما تجمعت يوم 17 فبراير، كانت الرجفة التي هزت الأرض من تحت أقدام الطغاة، ونقلت التاريخ من فصل إلى فصل!   ليبـيا التى تمتد جذورها فى أعماق الأزل، صنعت ثورة 17 فبراير ليبدأ ربيعها الساعي إلى الحرية والديمقراطية، بعد أن طال شتائها لأكثر من أربعة عقود! فكانت نهاية حقبة مظلمة في تاريخ شعب طيب، ونهاية طاغية أراد أن يزيّف وجه التاريخ، لينتهى طريداً ... لشعاراته ... تلاحقه لعنة الله، والناس، والتاريخ!
 

مايجب أن يقـال

الثورة تكمن في إنجازها للطموحات التي فجرتها
 

من المفروض وسط الاحتفالات التي تشهدها ليبـيا لأحياء الذكرى الأولى لثورة السابع عشر من فبراير، أن يتجه حديثنا حول هذه المناسبة العزيزة، والتي هلت علينا في مناخ تختلط فيه مشاعر الفرح مع الخوف والقلق على حاضر ومستقبل الوطن، حيث سيطرت عليه موجات من الصخب والفوضى والارتباك، انعكست على حركة المواطن والمسئول، فكلاهما لا يعرف أين يتحرك وفي أي اتجاه عليه أن يتقدم، وعدم خوضنا في الحديث والكلام حولها مبعثه في الأساس علمنا بموعد إفتتاح سوق عكاظ، الذي يعرض الجميع فيه سلعته وبضاعته من مقالات وأشعار وأغاني وطنية وعاطفية، تتغنى بحبهم للوطن وتردد أمجاد وبطولات أصحابها في مقاومتهم وصمودهم في مواجهة الطاغية، بالقلب بعد أن عجزت أيديهم وألسنتهم عن ذلك سنوات وسنوات، وهم يشاهدون فيها أبنائهم يساقون لأعواد المشانق في وضح النهار ووسط الميادين، ويرمى بهم في غياهب السجون والمعتقلات، مكتفئـين بدعوات صامتة تسكن القلوب، طالبة لهم الرحمة والغفران، ومن أجل ذلك امتنعنا عن الحديث عن تلك المواضيع والتي نرى أنها هامة وضرورية، غير أن حديث العقل والمنطق يتوارى داخل ضجيج السوق، وفي أوقات البيع والشراء التي تعلو فيها أصوات السماسرة والحرفيين، ولهذا ننطلق بالحديث في موضوع آخر قد يرى البعض انه يرتبط بطريقة أو بأخرى مع ما يجري داخل الوطن هذه الأيام، غير أنه في كل الأحوال لا ينتمي إلى تلك السلع والبضائع المطروحة على أرصفة شوارع السياسة في ليبـيا، فهو لا يبغي مطلبا أو مصلحة بل على العكس أنه قد يجلب سخط وغضب القوى السياسية التي تريد وتسعى إلى احتكار السلطة والسلاح والثروة، مع تغير مسمى المحتكر .
 

ففي ذات يوم ودون أن تكون هناك مناسبة وطنية أو قومية أو حتى إسلامية، برزت فكرة، عند البعض مما أحتكرو ثلث تلك المقولة، وهي الهجوم وتحطيم النصب التذكاري للزعيم جمال عبد الناصر، المقام في مدينة بني غازي والتي استقبلته سابقا في مشهد تاريخي لم يضاهيه إلا إستقبال دمشق له في نهاية الخمسينات، فلم نجد لتلك الفعلة معنى، سواء أنها تحاول أن تنشر دالاً دون مدلول، وأن ترسم واقعاً لا وجود له، فلا الزعيم عبد الناصر كأن يوماً طاغياً، ولا مدينة بني غازي خاصة، وليبـيا عامة، تنصلت عبر تاريخها عن واجبها القومي والعربي، ولا هذه المجموعة كانت تعبيرا وإنعاكساً عن التوازن السياسي والاجتماعي للواقع الليبي، ففهم التاريخ والوعي بالواقع ضروري لكل فعل سياسي، والحديث حول هذه الفعلة لا ينطلق من حرص الدفاع عن جمال عبد الناصر، فالزعيم بهامته وقامته ليس بحاجة لأحد للدفاع عنه، وان كان ذلك تهمه نتشرف بها، فالتاريخ، والمستقبل أيضاً، كفيلا بذلك، وهما من يتولى الدفاع عنه أمام هجمات ومفاعيل انتقامية وتحريضيه بدأت، دوليا وإقليميا، بعد رحيله عن دنيانا منذ أربعين عاما ويزيد، لم تنال من قدره وقيمته الوطنية والتاريخية، فكيف نتصور لحادثة صغيرة لا يتجاوز نطاق تأثيرها حدود اللحظة والمكان، أن تنهي تاريخا عجزت قوى وتيارات ونخب سياسية وفكرية، بمعاول أثقل انتقاما وغليلا النيل منه، وكما يقول أشقائنا المنسيين في ظل الربيع العربي، ياجبل ما يهزك ريح، فما بالك بجبل بشموخ ورسوخ جمال عبد الناصر، فالأوفياء والمخلصين لدينهم ودنياهم لهم تاريخاً يحميهم، أما من يحتاج للدفاع والحماية من أنفسهم، اؤلئك ممن قاموا بتلك الفعلة، فعليهم أن يعوا ويفهموا أن هذه الأفعال والممارسات لا يمكن أن تقيم بنياناَ أو أن تؤسس دولة، تبدأ خطواتها الأولى وتنشد الاستقرار والرفاهية وتأخذ من الحوار والأسلوب الديمقراطي عنوانا للصراع السياسي، وبديلا عن العنف والممارسات الانتقامية، ان التخلص من تلك الأوهام والمقاولات العالقة بالذهن، وإعمال العقل لفهم الحقيقة وكشف المخططات التي تنسج خطوطها من حولنا بتدبر وإحكام، حاجة تفرضها ضروريات المرحلة لتجنب المخاطر والمحاذير، وتحديد المقاصد والأهداف، فإمعان النظر في سلسة الأحداث التي يمر بها الوطن والمنطقة، وكيف تتصل حلقاتها، يقودنا بلا شك إلى المراد بنا والأهداف المرسومة لنا، وذلك لأن الالتفاف حول ثورة شعب أسقطت النظام الاستبدادي، ومحاولة اختطافها، في مقدمة تلك الأحداث التي لا يمكن الوصول إليها إلا بتحقيق تفتيت أوصال المجتمع واختزاله في قوى وجماعات متفرقة متصارعة سياسيا وجغرافيا واجتماعيا، فذلك المشهد الرائع والقوي الذي ظهر في السابع عشر من فبراير 2011. لم يفزع ويطيح بالنظام الاستبدادي فحسب، بل أفزع كل من يريد سوء بالوطن، وما تلك الفعلة إلا مدخلا من المداخل التي تحاول أن تنفذ منها تلك المخططات، حيث وجدت فيها ضالتها وعنصرا مهما لصناعة صراعا بين قوى سياسية، كان توحيد جهودها حاسما في إنجاز مهام ثورة السابع عشر من فبراير.2011
 

فالأسباب التي ساقتها تلك المجموعة لفعلتها، لم تعكس الغاية الحقيقية التي تكمن وراء تلك الفعلة، فالقول بأن المقبور إمتداد وخليفة للزعيم جمال عبد الناصر، هو قول ليس مجافيا للحقيقة فقط بل انه يجهل تاريخ وشخصية المقبور، فإحدى ركائز تلك الشخصية المقززة، هي محاولة الإرتباط والاقتراب ممن كان له دورا وتأثيرا تاريخي ووطني، إعتقادا منها أن ذلك من شأنه أن يضفي عليها نوعا من البطولة والتأثير، فنجد تلك الشخصية المريضة تقترب من تاريخ المجاهد أو المختار، في أكثر من محاولة ومناسبة، فهل علينا أن نتـنكر لذلك التاريخ بمجرد أن المقبور اعتبر نفسه امتدادا له في الوطنية ومقارعة الاستعمار؟ أو نتجاهل ذلك التأثير الذي أشاعه المناضل " منديلا "  كرمز إنساني وعنواناً للحرية ومواجهة الممارسات العنصرية، لمجرد أن المقبور اعتبر نفسه جزء منه، فإن الأمثلة حول المحاولات الرخيصة التي مارسها المقبور، من أجل الإلتصاق برموز تاريخية وسياسية ودينية كثيرة، يعلمها الجميع ويقفون عند تفاصيلها فلا يمكن قبول ادعاء يجافي الحقيقة كسبباً ومبرراً لذلك الاعتداء عن رمز بحجم الزعيم جمال عبد الناصر، غير أننا قد نجد من يستمد حجته بان ذلك الارتباط الذي جمع بينهم لم يكن محاولة من المقبور، بل جاء من إقرار واعتراف الزعيم عبد الناصر لذلك الارتباط، ودون الإخلال بالالتزام الذي قطعناه على أنفسنا بعدم الدفاع عن عبد الناصر، نطلب من أصحاب ذلك الرأي التعمق في قراءة تاريخ الزعيم الراحل، ومقاله عن المقبور بعد شهور من تلك الخطبة التي اعتبروها ركيزة لهذا الامتداد والارتباط بين الاثنين، ثم كيف لعاقل أن يبني سلوكاً، ويبنى موقفاً مستنداً إلى جملة وردت في مجاملة احتفالية، وفي وقت لم تتضح فيه أبعاد وتوجهات المقبور بشكل جيد، وكأن الجميع يتوسم الخير والأمل فيه .
 

أن الصورة الذهنية الخاطئة التي تكونت عن هذه العلاقة التي جمعت بين الاثنين، لا يمكن أن تكون معيارا أو حكما على التاريخ، أو تقدم تفسيراً أو تبريراً لهذه الفعلة، فالغاية والدوافع التي تكمن وراؤها اكبر وأخطر من تلك الأسباب الواهية، فهي في أحد جوانبها تصفية لصراعات تاريخية اعتقد طرفا دان وقتها وحان حسمها، كما أنها مؤشرا سلبيا لما يحاول البعض أن يرسيه كقاعدة وأداء لحل خلافات وتناقضات وخيارات المجتمع، فلا يمكن لأحد أن يفزع لمجرد أن أحجاراً تهوى تلقائياً أو بفعل فاعل، ولكن الذي يفزع ويحفز المخاوف، معاني ودلالات ذلك، وتداعياته أيضاَ، فالرسالة التي حاولت تلك القلة إرسالها تدور أحد معانيها في العجز المصابة به تلك القلة، على مواجهة الاختلافات بالحوار، ومن خلال طرح الأفكار والرؤى، وهي كذلك تعني في سفور، امتلاكها الحقيقة والمعرفة والسلاح الذي يجبر الآخرين على الانصياع لها، فذلك التوجه يعتبر نشاز تاريخي وعبثي عانت منه مجتمعات أخرى من قبلنا، ولا ينسجم مع تطوره ومجراه الطبيعي، وما عليهم الا أن يقرؤوا قديمه وحاضره ليتـبينو ذلك، ولعلهم يجدون في منطق عقلانية الرسول الأعظم " ص " في صراعه مع الآخرين، عبرة تنير لهم الطريق المظلم الذي يسيرون فيه .
 

أن بناء الوطن وتحقيق طموحاته، لا يمكن أن يتم إلا بالوعي المحث لطاقات وقدرات أبنائه بمختلف قواهم السياسية وتوجهاتهم الفكرية، دون إقصاء أو ترويع، فالثورة تاريخياً لا تكمن في إزالة نظام ورموزه، ولكن في انجازها للمهام والطموحات التي فجرتها، ولعل من أولويات وطموحات ثورتنا، هي احترام الرأي والفكر والتوجهـات التي يحـملها الجميع، على اختلافها وتباينها، والتعاطي معها داخل أطر ووسائل ديمقراطية، تفرض الحوار والمناقشة لا من خلال الترهيب والتخوين، وفق هذا الفهم نأمل أن تكون هذه الفعلة، نقطة نعود بها للوعي المطلوب والضروري لهذه المرحلة، التي يسعى الجميع فيها نحو بناء وطن المشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية والتنوع الفكري والثقافي، ويتحقق فيها، بوضوح، انتصار الأفقي على العمودي.
 

صـوت ليبـيا

17 فبراير 2012

     



 حالة الطـقس اليوم
      بنغازى      سبها    
طرابلـس