Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player



الوقت في ليـبيا











 
ضعف الشعوب خدّاع، لأنه قوى متفرقة في نفوس متفرقة، ولكنها عندما تجمعت يوم 17 فبراير، كانت الرجفة التي هزت الأرض من تحت أقدام الطغاة، ونقلت التاريخ من فصل إلى فصل!   ليبـيا التى تمتد جذورها فى أعماق الأزل، صنعت ثورة 17 فبراير ليبدأ ربيعها الساعي إلى الحرية والديمقراطية، بعد أن طال شتائها لأكثر من أربعة عقود! فكانت نهاية حقبة مظلمة في تاريخ شعب طيب، ونهاية طاغية أراد أن يزيّف وجه التاريخ، لينتهى طريداً ... لشعاراته ... تلاحقه لعنة الله، والناس، والتاريخ!
 

متفـرقـات    

المعايير الدولية للإنتخابات الحرة والنزيهة

  

يسعدنى ان ارسل لك بالورقة التى قدمت للندوة التى عقدت فى بنغازى حول هذا الموضوع  يومي 16 و17 يوليو. وقد ركزت الورقة على الجانب التثقيفى العام والتعريف بأهمية العملية الإنتخابية وأهم مراحلها بصورة عامة اكثر من  تركيزهاعلى الجانب العملى أوعلى مدى  امكانية تطبيق ما جاء فيها عن الوضع الحالى فى ليبيا ما دفعنى الى التفكير فى إعداد هذه الإضافة لتسليط المزيد من الأضواء على خصوصية الحالة الليبية المنبثقة عن ثورة 17 فبرايرواقتراح ما اراه ضروريا للبدء والتعجيل فى اتخاذ الخطوات اللازمة لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة فى اقرب وقت بعد يوم التحرير الكامل للتراب الوطنى الذى اصبح قريبا. وأرى أنه من المناسب ان يبدأ المجلس الوطنى الإنتقالى من الآن فى ترتيب الأفكار والبرامج والخطط التى من شانها أن تساعد فى التعجيل بتنظيم انتخابات عامة تنبثق عنها سلطة تشريعية منتخبة وحكومة ديموقراطية تتمتع بتأييد أغلبية برلمانية مستقرة وقاعدة شعبية عريضة.

 

سن الدستور وتنظيم الإستفتاء

 

 ومن أهم مايجب مناقشته وطرح الأفكار بشانه هو الدستور ومحتواه وكيفية إصداره. وبالنظر الى إعداده وتنظيم استفتاء حوله فهناك احتمالان أساسيان؛ الإحتمال الاول وهو تنظيم مؤتمر وطنى تدعى اليه القوة الوطنية من أحزاب ونقابات وممثلين عن الأقليات والمرأة والشباب ومنظمات المجتمع المدنى وأية قوة فاعلة أخرى بأطيافها واتجاهاتها المختلفة لمناقشة المبادئ العامة التى يصاغ على أساسها الدستور وإصدار التوصيات اللازمة بشانها الى لجنة صياغة موسعة يختارها المؤتمر من قانونيين وحقوقيين وممثليين عن منظمات المجتمع المدنى بما فى ذلك الاحزاب والنقابات والمنظمات الحقوقية وغيرها. ويدعى المؤتمر الوطنى فى دورة ثانية بعد ثلاث اشهر من الدورة الأولى وهي المدة التى يحددها المؤتمر للجنة الصياغة لعرض مسودة الدستور عليه لمناقشتها وإدخال اية تعديلات قد يقرها لتصبح المسودة المعدلة النص النهائى الذى يعرض على الشعب الليبى فى استفتاء عام تنظمه لجنة انتخابات مستقلة منبثقة عن المؤتمر الوطنى وتحت إشراف قضائى.

 

اما الإحتمال الثانى فيتمثل فى انتخاب مجلس تاسيسى من عدد من الممثلين ينتخبون بالإقتراع العام والتصويت السرى ويقوم المجلس المنتخب بإعداد مسودة للدستور تقدم الى الشعب فى استفتاء عام. وهذا ايضا ممكن إلا انه لا بد ان يكون واضحا ان هذا الإحتمال يتطلب تنظيم وإجراء انتخابات عامة وهي عملية معقدة تنطوي على مراحل محددة تحتاج ضوابط قانونية واضحة والى وقت طويل ربما لا يتحمله لا الوضع الامنى فى البلاد ولا الإستقرارالذى يتطلع له الليبيين بعد 42 سنة من المغامرات وغياب الأمن والآمان. إن الإنتخابات فى هذا السياق يفترض ان تكون حرة ونزيهة حتى لا يطعن فى نتائجها ولن تكون كذلك إلا إذا احترمت المعايير الدولية للإنتخابات الحرة والنزيهة وإلتى تستلزم استفاء قائمة طويلة من الشروط من بينها  صياغة قوانين جديدة لتكوين نظام انتخابي مستقل يشمل هيئة إدارة الإنتخابات والتقسيم الإدارى الخاص بالدوائرالأنتخابية وتسجيل الناخبين على مستوى الدوائر وإعلان اسمائهم بهدف الطعن وإصدار بطاقات انتخاب للناخبين الذين يجتازون عملية الطعن تليها تسجيل قوائم المترشحين من الأحزاب (للحد من التاثير القبلى) والتى يفترض أنها استوفت شروط  "قانون الأحزاب" الذى يفترض بدوره انه صدرفعلا. وتستلزم المعايير الدولية الدنيا للإنتخابات الحرة والنزيهة ضوابط للحملة الإنتخابية وتمويلها ولأنماط الإقتراع وتاثيرها على نزاهة الإنتخابات وشروط اخرى يستلزم احترامها شهورا طويلة من الإعداد ليس من السهل توفيرها فى حالة الوضع الليبى اليوم دون المغامرة باسس الإستقرار الهشة والحساسة فى البلاد والتى تتطلب السرعة فى بناء مؤسسات الدولة الجديدة والخروج بالبلاد من المرحلة الإنتقالية المؤقتة الحالية الى مرحلة أكثر استقرارا واكثر امنا لتمكين الشعب من الحفاظ والمحافظة على مكتسبات ثورة 17 فبراير.

 

 وبالمقابل يتميز الإحتمال الاول، اي إعداد مسودة الدستور من قبل مؤتمر وطنى، ليس فقط لكونه إجراءا من شأنه ان يحقق هدفه فى وقت قياسى من جهة وتوفير وقتا جدا ثمينا لمسالة الأمن والإستقرار من جهة اخرى بل أيضا يحافظ على الإطار الديموقراطى المطلوب لمناقشة وصياغة تلك المسودة. ولابد من الإشارة هنا الى ان أغلب اعضاء المجلس التأسيسى المفترض الذى تطرقنا اليه فى الحالة الثانية، سوف تشملهم دعوة المؤتمر، خاصة وانه يفترض ان أغلبهم هم من نشطاء الشان العام (كاعضاء فى أحزاب سياسية او منظمات المجتمع المدنى) وبالتالى لا يمكن انعقاد أي مؤتمر وطنى ديموقراطى بدون مشاركة ومسهامات الكثير منهم فى نقاشاته. وفى هذا السياق فلا نرى فائدة حقيقية من انتخاب مجلس تأسيسى بكل تعقيداتها وتداعياتها فى الوقت الحالى لسن مسودة للدستورفى حين انه بالإمكان إعداد نفس المسودة من طرف انعقاد مؤتمر وطنى مفتوح لكل القوى السياسية والإقتصادية والإجتماعية الفاعلة فى المجتمع وليس من طرف مجلس محتكرا على مجموعة معينة حتى ولو كانت هذه المجموعة منتخبة. وتجدر الإشارة بانه فى كلا الحالتين سوف يلجأ المؤتمر الوطنى أو المجلس التأسيسى، نظرا لحساسية وخصوصية صياغة الدساتير، الى خدمات متخصصين فى القانون الدستورى ، لسن مسودة الدستور النهائية وربما يكون هؤلاء المتخصصون هم أنفسهم الذين يقومون باقتراح مسودة الدستور بغض النظر عن من هي الجهة، المؤتمر الوطنى أو المجلس التأسيسى،التى تطلب منهم ذلك.

 

انتخاب الرئيس

 

هناك موضوع دستورى آخر يستحق انتباه خاص من القوى الفاعلة فى الشأن العام فى ليبيا وتوسيع الناقاش حوله لتأثيره الكبيرعلى مستقبل الديموقراطية وبناء الدولة فى ليبيا ويتعلق هذا الموضوع بمكانة رئيس الجمهورية ودوره فى إدارة الشان العام وكيفية اختاره. وقد تطرق الى هذا الموضوع عدد من المهتمين بالشأن العام من منطلق تنظيم انتخابات رئيس الجمهورية بالإقتراع العام فقط وكأن الإقتراع العام  هو الطريقة الوحيدة أو المثلى للانتخاب الرئيس وهوأمر غير مؤكد حيث ان أغلب رؤساء الدول الديموقراطية العريقة والمستقرة ليسوا منتخبين من الشعب مباشرة فى اقتراع عام (النظام الرئاسى) بل هم مختارون بنسبة معينة من ممثلي الشعب فى البرلمان. أن اللجوء الى انتخاب رئيس الدولة والبرلمان فى انتخابات عامة منفصلة يشارك فيها جميع الناخبين فى الحالتين (أي نفس الناخبين) تطرح اشكالية التمتع بحق الأسبقية فى اتخاذ القرار فى إدارة الشان العام وهل هو البرلمان(حكومة الأغلبية) أوالرئٍيس (مستقل عن البرلمان) وكلاهما (اي البرلمان والرئيس) منتخب مباشرة من نفس الجسد الإنتخابى هو الذى يجب أن يتمتع  بالأولوية. وقد عرفت الدول الديموقراطية الرئاسية، مثل فرنسا حيث ينتخب كل من ممثلى الشعب (البرلمان) ورئيس الجمهورية بالإقتراع العام والتصويت السرى ... عرفت فرنسا(الججمهورية الخامسة) مشاكل سياسية ومؤسساتية لم تحل حتى اليوم. وقد ظهرت هذه المشاكل فى عهد الرئيس متران (الحزب الإشتراكى) حين انتخب الشعب الفرنسى فى ابريل 1986 أغلبية برلمانية من الديجوليين الذين اعطوا ثقتهم لحكومة شيراك والذى بدوره طرح موضوع شرعية الرئيس لقيادة الدولة بعد ان خسرحزبه ثقة الشعب فى إنتخابات عامة. وقد اعتبرت الأغلبية البرلمانية آنذاك خسارة الحزب الإشتراكى للإنتخابات العامة فى مارس 1986 بمثابة هزيمة شخصية للرئيس ميتران  تفقده الشرعية وتلزمه بالإستقالة من منصبه الرفيع رغم ان الدستور يخوله الإستمرار فيه وهو ما فعله الرئيس ميتران. وقد عرفت تلك الفترة بفترة "التعايش" cohabitation  بين الرئيس الإشتراكى والأغلبية البرلمانية الديجولية وهي فترة لم تخلو من أزمات سياسية كبيرة سببها عدم الإنسجام والإختلاف الناتج عن انتماء الرئيس والاغلبية البرلمانية الى حزبين سياسيين مختلفين وذو برامج متنافسة. وقد ادعى الطرفان، الرئيس والأغلبية (حكومة شيراك)، كل من جانبه بأحقيته الدستورية، دون سواه، فى صنع واخذ القرارات التى تلزم الدولة مما انجرعنه صراعات سياسية كادت تشل حركة وقدرة مؤسسات الدولة من القيام بمهامها العادية.

 

وفي ضوء ما تقدم أعتقد أن النظام البرلماني القائم على قاعدة التمثيل النسبي للقوة  المتنافسة، هو النظام الأكثر ديمقراطية من النظام الرئاسي واكثر ملائمة لوضعنا الحالى لما فيه من حد لمخاطر الإستبداد والدكتاتورية والحكم الفردي، ولما يوفره من إمكانيات حقيقية وجدية للتداول الديمقراطي على السلطة والإستقرار السياسى. و لننظر فقط الى وضع الديموقراطية والإستقرار فى الهند التى أخذت بالنظام البرلمانى منذ الإستقلال فى سنة 1947 ومقارنتها مع جارتها الباكسان التى اختارت النظام الرئاسى والذى ساهم، ولو بطريقة غير مباشرة، فى عدم الإستقرار عن طريق تشجيع مغامرات إنقلابات عسكرية وتزوير الإنتخابات وتقييد الحريات التى عرفتها الباكستان منذ الإستقلال فى سنة 1947. إن النظام البرلمانى يحتوى على آليات من شأنها التعجيل بإرساء قواعد نظاماً ديمقراطياً تكون مرجعية القرار فيه للشعب، الذي لم يعطى حتى اليوم فرصة المشاركةً، ولأن تصبح السيادة للشعب وحده فعلاً لا قولاً وتمكن من القضاء على الأوهام (القائد والزعيم والمنقذ)، التي أدت إلى ثقافة الخنوع والاستسلام والتبعية التي حاول  نظام العقيد القذافى الإستبدادى نشرها وتثبيتها فى مجتمعنا خلال ال42 سنة الماضية.

 

أنه أياً كان النظام السياسي الذي نختاره، فأنه لا يمثل الوصفة الجاهزة المتكاملة الأركان، إنما يمثل إطاراً قابلاً للتطوير والتعديل والتجديد والتجريب والإضافة. وهو ككل الاجتهادات البشرية يحتمل الخطأ والصواب، وله حدود ومضاعفات وسلبيات. ومن هذا المنطلق لا بد أن نثبت جدارتنا بالديمقراطية بالمشاركة في تطوير وتجديد الأطر التي تعبر عنها كتجربة تاريخية مستمرة من أجل تحرير الأنسان واحترام حقوقه وحرياته. أن النظم السياسية رئاسية كانت  أو برلمانية أو غيرها هي مجرد أطر وآليات للحكم. لذلك يجب أن نحدد أفضل النظم الديموقراطية الذي يستطيع ترجمة روح ثورة 17 فبراير الشعبية إلى فعل يحقق أهداف الثورة في المشاركة الفعلية المباشرة والمستمرة للمواطنين في تحديد اختيارات وسياسة البلاد وفي تطبيقها، وفي ضمان الحريات الفردية والجماعية الخاصة والعامة، ورفض الهيمنة الإيديولوجية والمذهبية.

 

 

د. سليمان أبوشويقير

 المهجر فى 26 يوليو 2011

 

 

نص ورقة بنغازى

 

 

 

مقدمة فى المعايير الدولية للإنتخابات الحرة والنزيهة على ضوء الإنتخابات العامة المرتقبة فى ليبيا بعد سقوط النظام الإستبدادى

 

1.       تعد الإنتخابات بمثابة الوسيلة الأساسية التى تؤهل الناس للمشاركة فى إدارة الشؤون العامة لبلدانهم والتى بدورها  تعتبر حقا اساسيا من حقوق الإنسان  كافحت من أجله الشعوب فى جمبع انحاء العالم. وقد اتسمست البشرية فى جميع مراحل تاريخها وبدرجات نجاح متفاوتة سبل إشراك الأفراد فى قرارات المجتمع. واليوم لا أحد، باستثناء نظام القذافى المقبور، يشكك فى دور واهمية الإنتخابات باعتبارها آلية للمشاركة فى الشان العأم واحد اهم مكونات الديموقراطية وحجرالزاوية فى اية مشاركة للمواطنين فى عملية صنع القرار.

2.       إن الحق فى المشاركة فى إدارة الشان العام هو حق منصوص عليه فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان ويكفله العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وتعترف به معاهدات وإعلانات دوليةأخرى. ويدل تكثيف الكفاح من اجل انتخابات حرة ونزيهة خلال الأربعين سنة الأخيرة فى جميع أنحاء العالم  ــ برغم المخاطرعلى السلامة الشخصية ــ ... يدل على أن هذا الحق اصبح حقا لم يعد التنازل عليه ممكنا بالنسبة لللأفراد والشعوب التى تعتبر الإنتخابات الحرة والنزيهة حلقة حاسمة فى سلسلة إقرار الديموقراطية المتواصلة الحلقات ووسيلة أساسية لتعبير الشعب عن إرادته.

3.       والديموقراطية تعنى بطبيعة الحال اكثر من مجرد انتخابات دورية ولا بد ان يكون واضحا ان الإنتخابات  ليست غاية فى حد ذاتها بقدر ماهي خطوة مهمة وأساسية على الطريق المؤدى الى إضفاء الطابع الديموقاطى على أنظمة حكم المجتمعات المختلفة وتاكيد الحق فى مشاركة الفرد فى حكم بلده على النحو المعلن فى صكوك حقوق الإنسان الرئيسية. ولا بد من الإنتباه بعدم خلط الغاية بالوسيلة لان الديموقراطية وهي الغاية تتجاوز مجرد الإدلاء دوريا بالأصوات ليشمل كل جوانب حقوق المواطنة ومشاركة المواطنين فى الحياة السياسية كلها.

4.       ولكي تكون ممارسة الحق فى المشاركة فى إدارة الشؤون العامة من خلال انتخابات حرة ونزيهة فعلية وفعالة فلا بد من وضعها فى اطار التمتع بعدد من الحقوق الأخرى المصانة دوليا ومن اهمها ممارسة الحق فى حرية الرأي والتعبير والحق فى تكوين الأحزاب السياسية والنقابات الجمعيات المستقلة والإنضمام إليها والحق فى التجمع السلمى وفى عدم التعرض للتخويف والتهديد والحق فى المحاكمة العادلة. ولا بد ان تكون امكانية التمتع بكل هذه الحقوق متاحة على قدم من المساواة دون اي تمييز  من أي نوع كان مثل التمييز على أساس  العرق او الجنس أو المعتقد أو غيره من الآراء أو الأصل القبلى او الجهوى او الإجتماعى او على أساس الثروة او النسب أولاي سبب آخر. إن اي مساس بهذا الإطار وأي محاولة، مهما كانت هامشية، لإعاقة الناس من التمتع بهذه الحقوق المصانة سوف ينجر عنه تلقائيا إزالة طابع النزاهة والحرية عن العملية الإنتخابية برمتها. وتعتبر الإنتخابات الدورية الحرة والنزيهة عنصرا ضروريا لا غنى عنه فى الجهود المتواصلة المبذولة لحماية حقوق ومصالح الناس وان التجربة العملية تثبت ان حق كل فرد فى الإشتراك فى حكم بلده عامل حاسم فى تمتع الجميع فعليا بمجموعة واسعة التنوع من حقوق الإنسان والحريات الأساسية الاخرى والتى تشمل الحقوق السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية .

5.       وكما أشرنا سالفا فان حق كل شخص في المشاركة في ادارة شؤون بلده هو حق محمى لا يجوز التصرف فيه دون انتهاك منظومة حقوق الإنسان الدولية باعتبار الإنتخاب حق  من حقوق الإنسان الاساسية. فالإعلان العالمى لحقوق الإنسان الذى اقرته الجمعية العامة للامم المتحدة فى 10 ديسمير 1948 ينص فى مادته 21 الفقرة الأولى،على ان " لكل شخص حق المشاركة فى إدارة الشؤون العامة إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون فى حرية". ولكن لماذا وكيف ؟ والجواب تعطيه لنا الفقرة الثالثة من نفس المادة 21 حيث تقول " إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم (لماذا). ويجب ان تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجرى دوريا بالإقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السرى" (الكيفية). وهذا يعنى ان السلطة لكي لا تكون سلطة استبدادية وجائرة فهي ملزمة بتنظيم انتخابات حرة ونزيهة  دوريا اي كل اربعة او خمس سنوات بالإقتراع العام والتصويت السرى ولا فرق بين الناخبين إمراة او رجل فقير أو غني الى آخره... ويمكن ان يقول قائلا وفى حالة رفض السلطة تنظيم مثل هذه الإنتخابات فما هوالحل ؟ الجواب على هذا التسائل المشروع يوجود أيضا فى نفس الإعلان العالمى حيث يحذر فى ديباجته  بان كل الدول ملزمة باحترام هذه الحقوق "إذا أريد للبشر الا يضطروا آخر الأمر الى اللجوء الى التمرد على الطغيان والإضطهاد". وهذا ما حدث فعلا فى 15 فبراير 2011 حيث خرج الناس هنا فى بنغازى ليس فى مظاهرة عادية رافعين بعض المطالب وإنما خرجوا للتمرد على "الطغيان والإضطهاد" الذى دام أكثر من 41 سنة والذى حذر منه الإعلان العالمى.

 

6.       لم يتح نظام الإستبداد  الفرصة لليبيين للمشاركة الحرة وبطريقة ديموقراطية فى تقرير مصيرهم واختيار اداة واسلوب الحكم الذى يناسبهم. وقد كان واضحا منذ الاسابيع الأولى للإنقلاب العسكرى الذى جاء بالملازم القذافى فى سبتمبر 1969 بانه لاوجود فى برنامج النظام العسكرى الجديد فى ليبيا لأية نية فى إقامة نظام سياسى ديموقراطى وتنظيم انتخابات عامة وإقامة حكومة مدنية وبدل ذلك امتلأت ساحات وميادين مدننا وقرانا بشعارات غاية فى البشاعة تندد  بالديموقراطية التمثيلية البرلمانية وتصفها بالكذب (التمثيل تدجيل) وتوصف التعددية السياسية بالخيانة(من تحزب خان). وقد الغي دستور البلاد فى اول بيان للعسكر والذى تلاه التضييق على حرية الراي والتعبير ومصادرة  الصحف المستقلة وحتى شبه المستقلة. وانتهى الأمر بخطاب زوارة فى 16 ابريل 1973 الذى تمكّن القذافى من خلاله من الإستيلاء الكامل، باسم الثورة الشعبية، على مقدرات الشعب الليبى عن طريق تهميش مؤسسات الدولة الليبية بما فيها القضاء وتجميد دور مجلس قيادة الثورة قبل ان يلغيه تماما ويستبدله باسرته أي أولاده تحت ستار إعلان سلطة الشعب والتى لم يكن لها هدف غير التخلص من كل مايمكن ان يمثل عرقلة، مهما كانت هامشية، فى طريق نظام حكم اسرة القذافى، "النظام الجماهيرى" الذى فصله القذافى على قياسه والذى نحتفل هذه الأيام بإزالته من جذوره.

 

7.       نعود الآن لموضوعنا الاساسى والذى نحن بصدد مناقشته وهو موضوع الإنتخابات الحرة والنزيهة. ومن المعروف، فى هذا الصدد، ان عشرات الإنتخابات تقام سنويا فى انحاء متفرقة من العالم وبان القوانين التى تحكم هذه الإنتخابات اصبحت معروفة وامكانية تفعيلها اصبح مالوفا عند الشعوب التى حالفها الحظ ولم تحرم من هذا الحق. غير ان الإنتخابات القادمة فى ليبيا تعنى الكثير واول ماتعنى هواسترداد الشعب الليبى لحريته وحقوقه المدنية وانتقاله من مرحلة الإستبداد والفساد بجميع انواعه وحرمانه من اختيار من يحكمه طيلة ال42 سنة الماضية الى وضع جديد تميزه المشاركة وتفعيل الحق فى اختيار من يحكمه من خلال انتخابات حرة ونزيهة والتى سوف تساهم فى إنهاء حالة الإحتقان السياسى والإجتماعى المتراكم لدى الليبيين بسبب غياب التجديد الديموقراطى طوال حقبة حكم القذافى. وأول ما نحتاج اليه فى ليبيا وبصورة عاجلة هو بناء الأرضية الدستورية والقانونية لتنظيم الإنتخابات وهي عملية ليست بالهينة ويمكن ان تستغرق شهورا طويلة ولنستعرض الآن وبسرعة أهم شروط الحرية والنزاهة والتى بدونهما تفقد الإنتخابات هدفها الاساسى وهو إطفاء الشرعية على ما ينتج عنها من اختيارات سواءا تعلق الامر باختيارممثلي الشعب او مؤسساته أوتحديد الشكل السياسى للحكومة وطريقة توجيه سياستها.

 

الدستور ودوره فى الإنتخابات الحرة والنزيهة

 

8.       وتحتاج ليبيا الديموقراطية الى دستور عصرى ليكون الأرضية الأساسية لبناء الدولة التى يصبو لها الليبييون ولتنظيم امورهم بما فيها تنظيم الإنتخابات وتحديد المؤسسات مثل البرلمان والمجالس الجهوية والمحلية وربما مؤسسات اخرى يتطلب وجودها (والقيام بمهامها) تنظيم إنتخابات دورية حرة ونزيهة. والإنتخابات ليست هدفا فى حد ذاتها وقد تكون وسيلة للبناء وقد تكون وسيلة للتدمير ايضا (موسولينى، هتلر) وسيلة لبناء دولة عصرية متقدمة واعدة او وسيلة لتاسيس دولة فاشلة فاسدة. وما يحدد هذا هو الدستور الذى لابد ان يقر اولا ليكون الاساس فى حل اشكاليات هذا التحول الديموقراطى الذى سبقتنا له شعوبا كثيرة والتى يمكن الإستفادة من تجاربها فى هذا المجال خاصة وان جملة من الثوابت والقواعد الدستورية باتت تشكل اليوم قواسم مشتركة بين الامم والشعوب واصبحت تمثل المبادئ الاساسية لدساتير الديمقراطيات الحقيقية. إن المبادئ الأساسية التى يجب ان يتضمنها أي الدستور عصرى لا بد من ان تشمل مبادئ دولة الحق والقانون المبنية على ارضية المنظومة الدولية لحقوق الإنسان ومبادئ سيادة الشعب, والتى تعني ان السلطات العامة تنبع من الشعب وانها تستمد شرعيتها منه وذلك من خلال اختياره لتلك السلطات والاسهام في تنفيذ وظائفها من خلال ممثليه.  عند الحديث عن المبادئ الأساسية لابد من الاشارة أيضا الى  تلك المبادئ التي بات وجودها يشكل العمود الفقري لأي بناء دستوري ديمقراطي معاصر, ومنها مبدأ المواطنة والدولة المدنية ومبدا الفصل بين السلطات ومبدأ سيادة القانون ومبدأ التعددية السياسية والايديولوجيه, ومبدأ التكافل الاجتماعي, ومبدأ العدالة الاجتماعية.

 

 

9.       وغني عن القول أن مرحلة الانتقال من نظام القذافى الإستبدادى الى نظام حكم ديمقراطي هي إنجاز تاريخي نامل ان تعززها عملية تحول ديمقراطي مستمرة. وكما سبق الإشارة إليه فإن الديموقراطية لا تعنى الإنتخابات فقط بل هي أحد اركان العملية الديموقراطية والتي تحتاج أولا، إلى دستور ديمقراطي حقيقي يُرسي قاعدة حكم القانون والمساواة أمامه. وتتطلب ثانيًة ضمانات لتحقيق التنافس والتداول على السلطة والفصل بين هيئاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتستلزم ثالثًا ترسيخ مبدأ المواطنة. وتمثل الإنتخابات الحرة والنزيهة احدى اهم الآليات التى تعمل على إقامة الديموقراطية وتعزيز اركانها. فهي التى تقوم بعدد من الوظائف الدستورية المحددة، منها تطبيق مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطة في الواقع الفعلي عن طريق إتاحة الفرصة للشعب لاختيار من يحكمه ومن يمثله في مؤسسات الحكم. وهي، اي الإنتخابات، ايضا أداة سلمية لتسوية الصراعات السياسية، وللتنافس والتداول السلمي على السلطة، كما انها أداة لتجديد شرعية الحكام ومحاسبتهم. وللإنتخابات دورا هاما فى خلق وتجديد الكوادر والقيادات وتثقيف الجماهير. ومن هذا المنطلق فقد اكتسبت إدارة الإنتخابات أهمية قصوى خاصة بالنسبة للحكام المستبدين الذين كثيرا ما استخدموها (تزوير) كواجهة شكلية لانظمتهم السياسية الشمولية لكسب الشرعية أو لدفع ضغوط داخلية أو خارجية أو الإثنين معا. ومن هنا كان الاهتمام الدائم بتطوير إدارة الانتخابات وظيفيًا وهيكليًا، وفي جميع مراحلها. ومن أهم التطورات التي شهدتها إدارة الانتخابات فى السنوات الأخيرة هو تكليف سلطة مستقلة بكل ما يخص الإنتخابات وتحييد الدولة ومؤسساتها عن إدارتها.

 

قانون الانتخابات

 

10.     إذا كان الدستور قد اقر بان ارادة الشعب هي اساس الحكم ويجب ان تتجلى من خلال انتخابات حرة ونزيهة تجرى دوريا بالإقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري فان مهمة قانون الإنتخابات تكمن فى وضع الأليات الكفيلة بتمكين العملية الانتخابات من تحقيق أهدافها في تجسيد إرادة الشعب الحرة والطوعية، وبناء مؤسسات ديموقراطية تمثلهم وتعبر عنهم، وتفتح باب التداول السلمي على السلطة. ويجب التشديد هنا على وجوب إيلاء  هذا القانون  أهمية قصوى من قبل الدولة بمختلف مؤسساتها والمجتمع بمختلف مكوناته، نظرا لكونه حجر الأساس في مصفوفة قوانين العمل الوطني والسياسي العام، وباعتباره الوسيلة الأهم فى عملية تجديد النخب السياسية وإعادة تجديدها، ومدخلا للتداول على السلطة.  وفى هذا السياق يجب ان يحضى هذا القانون بحوار وطني عميق وشامل، نزيه وشفاف، بين مختلف اللاعبين السياسيين والإجتماعيين من أحزاب ونقابات ومنظمات المجتمع المدنى وحبذا ان يخرج الى الوجود بصورة توافقية بينهم بغية خلق مناخ مواتيى ومشجع لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وضمان الدعم السياسي الضرورى لها عن طريق مشاركة الأطراف السياسية المختلفة فيها وصولاً إلى تحقيق نتائج انتخابات تتمتع بالمصداقية والشفافية في عيون الشعب الليبى أولا، والمجتمع الدولي ثانية.

 

11.     اما من ناحية المضمون، وحتى نضمن تصنيف الإنتخابات بالحرة والنزيهة ولا يطعن فى نتائجها، فيتعين على القانون ان يشمل المبادئ الأساسية أو الحد الادنى من المعايير الدولية التى تحكم الإنتخابات الحرة والنزيهة وان يصاغ بروحها وذلك باعتماد نظام انتخابي يكفل حياد الدولة ومؤسساتها وعدم انحيازها لأي مرشح أوحزب ويضمن أوسع مشاركة وأفضل تمثيل للشعب، نظام يقوم على مبدأ المساواة بين المواطنين، وتمكين المرأة والشباب والمجتمع المدني والأحزاب السياسية، نظام يسهم في تعميق الوحدة الوطنية، ونبذ الهيمنة والإقصاء والتهميش، ويعجل بنقل مؤسسات الدولة والمجتمع الى عصر الحداثة. وعلى قانون الإنتخابات تسهيل العمليات الإجرائية وتبسيطها وجعلها أقرب تناولا وأكثر يسرا وشفافية، من إعداد السجلات ولوائح التسجيل والشطب، إلى البطاقات التعريفية مرورا بمراكز الاقتراع، وضمان التقيد بالمعايير الدولية لعملية الاقتراع وأوراقه ووثائقه وكيفية ممارسته، واستخدام الوسائل التقنية الحديثة في هذا المضمار. ويتعين على القانون ايضا شمل حظر الممارسات التى من شأنها أن تلقي الشك أو الريبة على حرية ونزاهة الانتخابات، وهو ما يتطلب أن ينص قانون الانتخابات صراحة وبوضوح على ابعاد السلطة، حكومة ومعأرضة، من لعب اي دورفى تنظيم وإدارة العملية الإنتخابية وان يُعهد بتنفيذ قانون الإنتخابات الى "مفوضية مستقلة للانتخابات"، تشرف عليها من ألفها إلى يائها، على أن تتمع بالنزاهة والحيدة والاستقلالية، وأن تكون لها الصلاحيات الكاملة في قمع المخالفات ووقف المخالفين، ويناط بها ترتيب العملية الانتخابية بدءا من إعداد القوائم  وحتى اكتمال عمليات الطعن في الانتخابات، مرورا بمختلف مراحل العملية الانتخابية التى سوف نستعرض اهم محطاتها فى ما بعد.

12.     أما الآن فيجب التاكيد على الأهمية القصوى الذى يكتسيها حياد المفوضية المستقلة عند القيام بمهامها حيث يعد هذا الحياد احد اهم معايير نزاهة الإنتخابات واساس حريتها. وهي ملزمة للوصول الى هذا الهدف من خلال معاملة كل الناخبين وكل المرشحين وفقا للقانون ودون أدنى تمييز من جهة وهي ايضا مطالبة، من جهة أخرى، بكسب ثقة المواطنين من خلال الالتزام بالحياد السياسي والحزبي، والإبتعاد عن أي تصرفات قد يُفهم منها تغليب مصالح فئة ما أو حزب سياسي معين، مثل قبول هدايا، أو الإعلان عن مواقف سياسية محددة، أو الخوض في نشاطات ذات صلة بأحدى الجهات المتنافسة، وغير ذلك. ولابد أن يتسم عملها بالدقة والشفافية، من خلال التأكد من صحة البيانات والمعلومات التي تحصل عليها ومن صواب القرارات التي تُصدرها، وإتاحة ما قد يحتاجه الناخبون والمرشحون من معلومات وبيانات.

13.     ويجب ان تكون المفوضية العليا للإنتخابات بمثابة هيئة دائمة، ذات شخصيّة اعتبارية تتمّتع باستقلال مالي وإداري وتمارس كافة مهامها واختصاصاتها المخولة لها باستقلال تام وحيادية وشفافية مع حظر التدخل علي أية جهة في شؤونها وأعمالها واختصاصاتها أو الحد من صلاحياتها.  وفى المقابل يقتصر عمل اللجنة على الجانب التقنيّ والإداري والتنفيذي من العمليّة الانتخابيّة، أي أنها ليست جهة مختصّة بوضع القانون الانتخابي أو تعديله، بل هي تعمل بموجبه. فحياد اللجنة لا يتعلق فقط في تعاملها مع الأطراف المختلفة ذات العلاقة بالانتخابات ، وإنما يمتد للقضايا والمواقف المختلفة المتعلقة بالنظام الانتخابي وأية تعديلات مطروحة بشأنه. ويمكن أن تشمل مهامها وصلاحياتها النقاط التالية:

  1.   إدارة كل الانتخابات التي تشهدها البلاد على المستوى الوطنى أوالجهوى(المحافظات) أوالمحلى (البلديات).

2.      إنجاز كافة مهام كل عملية انتخابية في كافة مراحلها قبل وأثناء وبعد يوم الانتخاب، ومن أبرز هذه المهام: تسجيل الناخبين وإعداد قوائم بأسمائهم، تلقي طلبات الترشيح للمناصب المختلفة، الإعداد الفني ليوم الانتخابات، الإشراف على إجراء الانتخابات، وإعلان نتائجها

3.     المساهمة متى، طُلب منها، في إعداد الدراسات بغية تطوير القوانين المتصلة بالانتخابات، وذالك بمواكبة التجارب الحديثة والإستفادة منها..

4.     تلقي اخطارات إنشاء الأحزاب السياسية والتكتلات والقوائم التي ترغب في خوض العمل السياسي والانتخابات، وإعداد قواعد بيانات خاصة بها في مركز معلومات مركزي..

5.      إصدار الإجراءات والضوابط والآداب المتصلة بالانتخابات في كافة جوانبها، وخاصة تلك المتصلة بالإعلانات الانتخابية وتمويل الدعاية الانتخابية، وتحديد العقوبات الواجبة على المخالفين..

6.     تنظيم تمويل الحملات الانتخابية والإشراف عليها ومراقبتها، وذلك حسب قانون محدد لتمويل الانتخابات يتم سنه بالبرلمان المرتقب لضمان أكبر قدر من نزاهة الصوت الانتخابي وتحييد المال الانتخابي.

7.     تقوم المفوضية فى الفترات التي لا تشهد انتخابات بأعمال ذات صلة مثل الإستمرار في تسجيل الناخبين الجدد وتجديد القوائم وتنقيتها، وإعداد الوثائق والمستندات الإرشادية، وتقديم الإستشارات للمواطنين والمرشحين، وإجراء استطلاعات للرأي..

8.     تنظيم حملات توعية منظمة للمواطنين في شكل دورات تثقيفية وتدريبية وعقد المحاضرات وورش العمل في المناطق المختلفة  من البلاد، هذا بجانب تقديم دورات بناء القدرات السياسية للكوادر والقيادات السياسية والحزبية والنقابية.

 

قوانين أخرى

14.     يعتبر سن دستور ديموقراطى واقامة هيئة مستقلة للإنتخابات (المفوضية المستقلة للإنتخابات) من اهم  متطلبات الإنتخابات وهي ضرورية لضمان ان تعكس تلك الإنتخابات الإرادة الحرة للناخبين وان تكون نزيهة وان تكون عادلة على قاعدة ناخب واحد صوت واحد. إلا ان المنظومة الدستورية والقانونية التى حكمت ليبيا طوال ال42 سنة الاخيرة وترسانة القوانين الجائرة، والمنافية لنصوص وروح ابسط قواعد حقوق الإنسان التى سنت فى إطار تلك المنظومة، تفرض على المشرّع الليبى اليوم مراجعتها وربما إلغائها كلية باعتبار انها فِرضت من قبل "مشرّع" لا يتمتع باي صفة قانونية لتلك المهمة وان معظمها لا يتماشى مع التشريعات الوطنية النافذة أو مع الإتفاقيات الدولية المصادق عليها رسميا من طرف الحكومة الليبية خاصة تلك القوانين والإتفاقيات التى تجعل من احترام حرية الراي والتعبير وحرية تكوين الأحزاب والجمعيات والإنضمام إليها وحرية الصحافة الى آخره.. شروطا اساسية لكي تكون الانتخابات حرة ونزيهة وعادلة. على كل حال هذه بعض النقاط التى يمكن ان تثير بعض النقاش . أما المهم بالنسبة للإنتخابات الحرة والنزيهة والعادلة فى ليبيا فلن يكون من السهل القيام بها فى ظل  وجود" قانون تجريم الحزبية" رقم 71 لسنة 1972 (من تحزب خان) وقانون "حماية الثورة" رقم 19 لسنة 1969 وقانون "محكمة ونيابة تجريم الحزبية" وقانون الصحافة والمطبوعات رقم 76 لسنة 1972 والقانون رقم (19) لسنة 1369و.ر بشأن إعادة تنظيم الجمعيات الأهلية وقوانين جائرة مشابهة  اخرى مقيدة للحريات ومنافية لكل ما له علاقة بالحرية الشخصية العامة والخاصة بما فيها حرية الإنتخاب والترشح ووجوب إِذًن إلغائها وإحلال قوانين محلها تتماشى مع متطلبات المعايير الدولية للإنتخابات الحرة والنزيهة وتعزز مكانتها.

 الاحزاب والإنتخابات الحرة والنزيهة

15.     تُعد الأحزاب السياسية ضرورة للإنتخابات التى لا يمكن ان تكون حرة ونزيهة وعادلة بدون مشاركتهم الحرة والطوعية فيها. وتعتبر الأحزاب اللاعب الأساسى وايضا المستفيد من عملية الإنتخابات لكونها تعزز المناخ الديموقراطي العام والذى بدونه لا يمكن للأحزاب القيام بمهامها داخل المجتمع وفى كثير من الحالات لا يمكنها حتى البقاء والمحافظة على كيانها. وتشارك الأحزاب فى عمليات الإنتخابك كلاعب وكطرف اساسى معنى مباشرة بكل مراحلها وبنتائجها التى يمكن ان يكون لها آثار كبيرة، ايجابية أو سلبية، على الحزب وبرنامجه وحتى مستقبله. وتُعدّ الجوانب السياسية والايديولوجية والاجتماعية والاقتصادية، من أهم وظائف الأحزاب  والتي يجب تفعليها في حياة المجتمع. ويتطلب التفعيل اقامة اسس قانونية رصينة لتنظيم نشاط الأحزاب  كجزء من منظومة المجتمع المدني من جهة، وكعنصر فاعل من عناصر نظام الدولة السياسي من جهة اخرى.

16.     والأحزاب السياسية ضرورة هامة أيضا للديمقراطية لأنها بمثابة مدارس للشعوب، فالمواطن في أي بلد يجب عليه أن يتعلَّم ممارسة الديمقراطية، وأن يعرف مشكلات بلده؛ لتكوين الثقافة السياسية التي تمكِّنه من المشاركة الفعَّالة في الشان العام والحكم عليها حكم الدارس الواعي. فالتنظيم الحزبي هو الذي يعزِّز التعاليم والثقافة السياسية للقاعدة الشعبية، كما أن الأحزاب تعد همزة وصل بين الحاكم والمحكومين، فهي تلعب دورًا رئيسيًا في ربط الشعب بالحكومة والحكومة بالشعب، هذا إلى جانب أنها عامل خلق للرأي العام، حيث تقوم بدور فعَّال في توجيه الرأي العام نحو مسألة من المسائل التي تمس في النهاية الصالح العام لكامل المجتمع، كما إنها تُعد أجهزة رقابة لأعمال الحكومة، لأن وجودها يحول دون الانفراد بالرأي في تسيير دفة الحكم. وهي أيضًا عامل وحدة واستقرار للأمة، لكونها وسيلة تبدي الجماهير من خلالها عدم رضاها، فينعكس هذا الأثر على تغير الحزب الحاكم وانتقال السلطة بطرق سليمة،  وإحلال غيرها من خلال انتخابات عامة حرة ونزيهة. لهذه الأسباب واسباب اخرى لاتتسع هذه الورقة للتطرق إليها وجب الإهتمام بموضوع الأحزاب وتشجيع أنشائها عن طريق سن قانون يلغى القوانين السابقة (منذ سيتمبر 1969) الجائرة من جهة وتبسط شروط تكوينها وعملها مستقبلا من جهة أخرى.

18.     ولنتذكر ان وجود احزابا سياسية فاعلة هو شرط اساسى لا غنى عنه لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة خاصة وان المامول ان تتم الإنتخابات العامة المقبلة (البرلمان او مجلس الامة..الشعب؟) المهمة، بعد رحيل نظام القذافى، عن طريق نظام القوائم الإنتخابية التى تتيح للناخبين التصويت لقوائم الأحزاب السياسية وليس لأفراد. وهناك شبه اجماع فى الاوساط الأكاديمية بأن نظام القوائم هو اكثر ديموقراطية من النظام الفردى حيث يقود الى تعزيز افضل للوحدة الوطنية وتأمين تمثيل اكثر عدلا للقوة المؤثرة فى الدائرةالإنتخابية بالإضافة الى ذلك فان التطبيق الصحيح لنظام القوائم سوف ينجر عنه تفعيل مبدأ التعددية السياسية ووضع الاسس الصحيحة للديموقراطية التى يحتاجها الليبيون فى هذه المرحلة. وفى الختام، فإن تيسير عمل الاحزاب السياسية وضمان  مشاركتها فى الإنتخابات القادمة سوف يسهم الى حد كبير فى الاداء الوظيفي للسلطة التشريعية المنتخبة (برلمان؟) وفى تعزيز مهامها الرقابية على أسس ديمقراطية تعددية،خاصة وان الدستور المرتقب سوف يجعل من  التعددية الحزبية والحياة البرلمانية واحدة من الاسس الدستورية في الدولة الجديدة، الأمر الذي يجعل من نشاط تلك الاحزاب داخل المؤسسة التشريعية (البرلمان) تتويجا لنشاطها كأطراف فاعلة في العمل السياسي ومساهمة اساسية في عملية الانتخابات الحرة والنزيهة.

الحملة الانتخابية وحرية ونزاهة وعدالة الانتخابات

19.     للحملة الانتخابية أصول وقواعد سياسية تحتم على الفاعلين السياسيين الالتزام بمقتضياتها فالتزام الحكومة بتطبيق القانون ونهج مبدأ المساواة مع كافة المترشحين، أحزابا وأفراد، وإقرار هؤلاء بضرورة وضع برامج واقعية ومحددة واحترام مقتضيات مدونة الانتخابات من قبل الناخب والمنتخب على حد سواء كلها عوامل أساسية من أجل إنجاح حملات انتخابية نزيهة وشفافة. والواقع أن الحملة الانتخابية تشكل مدرسة حقيقية لتعلم الديمقراطية؛ إذ تمكن المناظرات الاعلامية خصوصا التلفزيونية من معرفة الرأي والرأي الآخر مع احترام اختلاف وجهات النظر بين المترشحين على اعتبار أن الديمقراطية ليست فقط مجتمع الاختلاف بل ضمان الحق في هذا الاختلاف؛ كما أن هذه المناظرات تمكن المواطن من الاحاطة بمختلف المشاكل السياسية المطروحة.

20.     وتعتبر الدعاية الانتخابية من بين أهم مظاهر الممارسة الديمقراطية في العملية الانتخابية، حيث يلعب النشاط الدعائي للقوى والأحزاب السياسية دوراً مهماً فيها من أجل التأثير في اتجاهات الرأي العام وخلق موقف محدد حول أي قضية من القضايا التي لها علاقة بالوضع العام. وبالنظر لأهمية هذا الموضوع وتأثيره المباشر على سير العملية الانتخابية، فإن القوانين والتشريعات في الكثير من دول العالم عملت على وضع وتشريع مجموعة من الضوابط من أجل تنظيم الدعاية الانتخابية بما لها من علاقة مباشرة بالرأي العام وتعبئة الناخبين. وفى مقدمة هذه الضوابط  يأتي الالتزام بأحكام الدستور واحترام سيادة القانون و احترام حرية الرأي و التعبير. وتؤكد قوانين ومراسيم الدول الديموقراطية على اهمية ضمان حياد الدولة إزاء الحملات الانتخابية وقد حظرت الدول الديموقراطية على موظفيها والهيئات والمؤسسات العامة  القيام بالدعاية الانتخابية لصالح أي حزب او مرشح في أماكن عملهم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وقد أوجبت تلك القوانين أيضا  على كافة وسائل الإعلام العمومية المرئية والمسموعة والمقروءة وغيرها التعامل الإعلامي على قدم المساواة بين الأحزاب وبين المرشحين لضمان حيادها وعدم انحيازها لأي منهم.

 

21.     أن حملات الدعاية الانتخابية تحتاج إلى إمكانيات مالية كبيرة لغرض توفير وسائل الدعاية للأحزاب والمرشحين بدءًا من الصور والملصقات و الكتيبات و المطويات وصولاً إلى المهرجانات الخطابية واستخدام التقنيات الحديثة في مجال الإعلام والاتصالات مثل التلفزيون والانترنت وغيرها، وكذلك الاستعانة بالخبراء والمتخصصين بحملات الدعاية الانتخابية، وعلى هذا الأساس فإنه بدون وجود ضمانة قانونية تحقق مبدأ المساواة بين جميع الاحزاب فإن النتائج سوف تكون غير مضمونة وذلك لأن الوسائل الإعلامية لها قوة تأثير كبيرة وتلعب دوراً مهماً في تغيير اتجاهات الناخبين نحو المرشحين حيث تستغل القوى السياسية المتمثلة فى الاحزاب فترة الدعاية الانتخابية لإظهار كل ما هو حسن وجيد من مزايا وصفات فى برامج تلك الأحزاب المتنافسة.

22.     وكثيرا ما تجنح الدول الديمقراطية إلى تقديم المساعدات المالية للأحزاب بغية إنجاز حملاتها الانتخابية؛ بيد أن الاشكالية التي أمست تبرز في المشهد الانتخابي هو ظهور تباين ملحوظ في عمليات التغطية المالية لهذه الحملات، فالدولة تقدم إعانات مالية تبعا لمستوى تمثيلية الحزب داخل البرلمان مما يطرح إشكالية المساواة بين الأحزاب الكبيرة والأحزاب الصغيرة ؛ فهذه الأخيرة يصعب عليها مسايرة إيقاع التكاليف المالية الضخمة التي تصرفها الأحزاب الكبرى في حملاتها الانتخابية مما اضطر الكثيرين بالمطالبة بإعادة النظر فى مبدأ هذه المساعدة لجعلها أكثر تناغما مع مبدأ المساواة التي تعتبر من المبادئ الأساسية للديموقراطية.

الدوائر الإنتخابية والإنتخابات الحرة والنزيهة

23      يشكل التقسيم الانتخابي للدوائر الإنتخابية (تقسيم الدوائر) أهمية مركزية في رسم السياسات الانتخابية في إطار الآنظمة الانتخابية الديمقراطية والتنافسية حيث يتحول إلى أداة لمنح مختلف المرشحين حظوظا متساوية للفوز بمقاعد البرلمان أو المؤسسات المحلية المنتخبة. فالأمر هنا لا يتعلق بمسألة شكلية ؛ بل بعامل أساسي في توجيه الانتخابات؛ فهو آلية سياسية قبل أن يكون آلية تقنية لذلك يعد من العوامل الأساسية المؤثرة في النتائج الانتخابية؛ إذ يحدث أثرا مباشرا على نتائجها. وعملية التقسيم  مربوطة بالكثافة السكانية لتلك الدوائر وكيفية رسم حدودها الجغرافية بحيث يراعى فيها احترام اهم المبادئ الأساسية لحرية ونزاهة الإنتخابات بما فيها مبدأ المساواة بين المواطنين. والذى يعنى هنا " صوتا واحد للشخص الواحد". وللتدليل على اهمية التقسيم العادل للدوائر الإنتخابات فقد عرفت احدى الإنتخابات التشريعية فى دولة عربية دائرة انتخابية لم يتجاوز عدد ناخبيها ال540 ناخبا اختاروا مرشحا واحدا فى حين بلغ عدد الناخبين في دائرة أخرى أكثر من 13 ألف مواطن اختاروا ايضا مرشحا واحدا، ما يعني أن قيمة صوت الناخب في الدائرة الأولى تعادل حوالي 24 صوتا في الدائرة الأخرى مما  أخل بمبدأ المساواة في التمثيل والشرعية، وهذا يتنافى مع مبدأ المساواة بين الناخبين المنصوص عليه ضمن المعايير الدولية للإنتخابات الحرة والنزيهة التي تنص على وجوب تأمين المساواة النسبية بين الدوائر من حيث عدد السكان بين دائرة وأخرى، فالفارق بين الدوائر من حيث عدد السكان يتعارض مع مبدأ الديمقراطية ويؤدي الى الشعور بالظلم والتمييز والتى تتعارض كلية مع اهداف اللإنتخابات الحرة والنزيهة.

24.     هذه باختصار شديد أهم مايجب معرفته بشان معايير الحرية والنزاهة والعدل لعملية الإنتخابات ولابد من التاكيد فى الختام بان كل جزء من هذه الورقة يمكن ان يكون موضوع ندوة مستقلة. كذلك يجب التأكيدعلى حقيقة ان هناك علاقة جدلية  بين الديمقراطية والانتخابات  الحرة والنزيهة؛ فلا يمكن الحديث عن وجود نظام ديمقراطي في غياب انتخابات نزيهة وشفافة ؛فالانتخابات غدت من الوسائل الناجعة لتعميق المسألة الديمقراطية لذلك اتجه الفكر السياسي الإنسانى إلى جعلها القناة الأساسية للوصول إلى السلطة بشكل أصبح معه الحق في الانتخاب مجسدا لخاصيتين أساسيتين؛ فهناك الشرعية القوية من جهة وكونية تعاطي المجتمعات المتحضرة إلى العمل الانتخابي من جهة ثانية .فالانتخابات لا تعدو أن تكون سياسية وتقنية تخول للمواطنين اختيار شخص أو قائمة من بين عدد من المرشحين ليكون ممثلا للجماعة التي ينتمي إليها. غير أن إنجاح العملية الانتخابية لا يتوقف عند إصدار القانون الانتخابي بل يتجاوزه إلى إقرار جملة من المقتضيات القانونية والسياسية بدءا بإشكالية تبيئة القانون الانتخابي وإنشاء المفوضية المستقلة للإنتخابات ورد الإعتبار الى الاحزاب السياسية والتسجيل في اللوائح الانتخابية مرورا بالحملة الإنتخابية وبالتقسيم الإنتخابى الى آخره. إنها عملية طويلة وشاقة تتطلب جهود الجميع وتمسكهم بالحق فى انتخابات حرة ونزيهة والتى بدونها لايمكن لاي ليبيى ان يكون حرا.

 د. سليمان إبراهيم أبوشويقير

المهجر فى 15 يوليو 2011

   
     



 حالة الطـقس اليوم
      بنغازى      سبها    
طرابلـس