Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player



الوقت في ليـبيا











 
ضعف الشعوب خدّاع، لأنه قوى متفرقة في نفوس متفرقة، ولكنها عندما تجمعت يوم 17 فبراير، كانت الرجفة التي هزت الأرض من تحت أقدام الطغاة، ونقلت التاريخ من فصل إلى فصل!   ليبـيا التى تمتد جذورها فى أعماق الأزل، صنعت ثورة 17 فبراير ليبدأ ربيعها الساعي إلى الحرية والديمقراطية، بعد أن طال شتائها لأكثر من أربعة عقود! فكانت نهاية حقبة مظلمة في تاريخ شعب طيب، ونهاية طاغية أراد أن يزيّف وجه التاريخ، لينتهى طريداً ... لشعاراته ... تلاحقه لعنة الله، والناس، والتاريخ!
 

وجهـات نظـر  

إنتفاضة فبراير ... ماجرى ويجري بعدها
 

بعد الإنجاز الذي تحقق، على يد إنتفاضة فبراير بتحطىم الصنم الأكبر، وإنهاء حياته وتاريخه، لا يشك أحد في أننا لازلنا بعيدين عن الحلم والأمل الذي يمتلكنا، ويحدد لنا المستقبل الذي نريده، بسبب حالة الجمود في العملية السياسية؛ والواقع المزروع بالأغام القابلة للإنفجار في أي وقت، والذي يفرض علينا أن نفكر ونتدبر بموضوعية في أحوالنا والى أين تسير، وفي أحلامنا وأملنا وكيفية تحقيقها، فالجميع يعلم أن هناك هبات وإنتفاضات شعبية، شهدها العقدين الأخرين من القرن الماضي، حدثت في العديد من الدول وفي مناطق مختلفة داخل عالمنا الصغير، يجب ان ننظر بتمعن فى نتائجها، كأرضية ينطلق منها هذا التفكير والتدبر المطلوب في هذه المرحلة، حيث كنا نشاركها، في سيطرة نمط  سياسي، ديكتاتوري إستبدادي، على الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية، يقوده رئيس أو مللك أوقائد - لايهم المسمى -  فاسد ومحاط بالأوتوقراط وثلة قريبة منه، يملكون أدوات القهر والقرار، فجاءت هذة الهبات والإنتفاضات، رغم إختلاف الظروف من بلد الى آخر، شبيهة بإنتفاضة السابع عشر من فبراير، بمعنى أن القوى الوطنية المسيسة، والفئة العمرية الشبابية من قادتها وانضمت القاعدة الشعبية الجماهرية اليها، كما ان الكثير منها نالت الدعم والتاييد الخارجي، غير أن معضم هذة الهبات والإنتفاضات لم تاتي بالنتائج المنتظرة والمبتغة منها، فقد انتهى بعضها الى إسقاط الديكتاتور وليس النظام بعناصره الحاكمة والمسيطرة، وبالفلسفة المتمسكة بعقلية الإستبداد والتكتل المصلحي والتبعية للآخر التي كانت تقوم عليها هذه الأنظمة، والبعض منها إنتهى الى تفتت الدولة الوطنية، والإنشطار الاقليمي، وتفكك هذة الدول على أسس اثنية، وعرقية ودينية، وفى المحصلة الأخيرة وجدت هذة الدول نفسها أمام وضع اعاد إنتاج نظام قمعي وإستبدادي آخر، أو أمام كوارث وطنية، بسقوط الدولة، بدلاً عن إسقاط النظام.    
                                                                                        

لامفر من إستدعاء تجارب الآخرين، في حالة التفكير والتدبر، للإستفادة وإستخلاص الايجابي منها، عند مقاربتنا للمشهد الليبي، ونحن نمضى الى العام الثالث من عمر إنتفاضتنا الطموحة، ذلك المشهد الذي تتصدره عناوين تبعث الإحباط والخوف عن المستقبل المنتظر، عند إنطلاقنا من الحاضر المعاش، فمع القصور و التقصير في الأداء السياسى، وإرتباك عملية البناء المؤسسي، وإنتشار فوضى السلاح والمليشيات، وإعلاء الخاص عن العام، وظهور دعاوى و أفكار تشد المجتمع والدولة الى الخلف، مع  كل هذا، وغيره كثير، شعر المواطن بأن مطالبه شوهت وعدلت وظلت طريقها بسبب سياسات إستنسخت واقع إنتفضنا عليه، ونعتقد، ولا إثما لاعتقادنا، ان المجلس الوطني الانتقالي يتحمل الجزء الكبير من مسئولية شيوع مناخ سياسي وأمني محبط، عند تصدره للعملية السياسية، وقيادة مرحلة ما بعد الثورة، حيث صدرت عنه قوانين وقرارات وسياسات أعاقت عملية التحول، وحركة المجتمع الساعية نحو بناء مؤساسات الدولة، والأمر لايتعلق هنا بالنوايا وإنما بالمنهج الذي كان مستخدم؛ فلا يشكك أحد في إخلاص وحماس، أعضاء المجلس الإنتقالي، كما لايستهين أحد أو يقلل من خطورة وصعوبة المرحلة التى تصدوا لقيادتها ولايغيب أيضا عن الذهن، أن جلهم كانت تنقصهم الدراية والمعرفة، بآلية وكيفية إدارة الأزمات، ولا يملكون الرؤية الواعية والشاملة بتاريخ الوطن ومكوناته الإجتماعية والثقافية، وعملية التأثير والتأثر والعلاقة من حيث المستوى والدرجة، مع المحيط الدولي والاقليمي، التي تحدد مسارها وتوجهها المصلحة الوطنية، فكان الحماس الذي تنقصه الخبرة هوعنوان تلك المرحلة، بآثاره وتدعياته السلبية، عند تعاطي المجلس الوطني الانتقالي مع الأحداث وتطوراتها، فجاءت النتائج مخيبة للطموحات والتوقعات، فكانت بداية هذه الأخطاء، التي تحولت الى خطايا بفعل تراكمها في تعامل المجلس مع الثوار والثائرين، بتحويلهم من طلاب للحرية والكرامة الى طلاب مال ومغانم، فعندما خرج أبنائنا ورجالنا في السابع عشر من فبراير، بصدور عارية وحناجرغاضبة تطلب الحرية والكرامة والإستشهاد في سبيل عزة الوطن والأهل، لم يكن من بينهم من يبحث عن مكسب أو سلطة أومال، غير أن المجلس الانتقالي تعاطى مع هذة اللحظة الإنسانية بادوات مادية رخيصة، فبدل من أن يتم إستيعابهم داخل أطر سياسية وثقافية تحقق لهم أدواراً ضمن  مفاعيل عملية البناء الوطني، أو داخل الأجهزة العسكرية والأمنية ليكونوا نواة لمؤسسة عسكرية وأمنية فاعلة وجديرة بحماية الوطن و المواطن، جعلت منهم سياسات توزيع المال والمغانم، عناصر  لمليشات عسكرية تهدد أمن واستقرار الوطن، فكان هذا الخطأ الأول الذي أدى الى خلق الفوضى الأمنية.
 

وتجلى الخطأ الثاني في الفهم الخاطئ للمفهوم الديمقراطي، الذي حصره المجلس في الشق الاجرائي، عبرت عنه هيستيريا الإنتخابات المختلفة والمتنوعة، ولم ينتبه المجلس الى ان هذه المسائل الإجرائية مرحلة لاحقة، تسبقها مرحلة إرساء القواعد الدستورية والقانونية، التي توضح إستعمال السلطة وحدودها ونطاق إختصاصاتها، وتنظم العلاقة بين الأجهزة والمؤسسات المختلفة من جهه، وبين مستواياتها الداخلية من جهه أخرى، فنتج عن هذا الفهم الخاطئ، مجالس محلية، وإدارات سياسية وتنفيذية معاقة التصرف، ومشلولة الحركة، لغياب الوضوح وتحديد السلطات والإختصاصات، فكانت بأدائها الوظيفي عبئاً على العملية السياسية، وجزءاً من الفوضى الإدارية والسياسية التي نعيشها.
 

ثم جاء الخطأ الثالث في إعتماد المجلس قواعد إجرائية تناولت آليات تشكيل لجنة أو هيئة إعداد مشروع الدستور، حيث أخذ المجلس بمبدأ تقسيم الوطن الى ثلاثة مناطق، مستحضراً تجربة ليبـيا التاريخية، دون الأخذ في الإعتبار المتغيرات الثقافية والإقتصادية والسياسية التي لحقت بالمجتمع في مسيرة تطوره الثقافي والإجتماعي والإقتصادي، ولم يكتف بذلك فحسب، ولكنه فرض الأسلوب الإنتخابي المفضل لديه في تشكيل هذه اللجنة أوالهيئة، مخالفا بذلك مبدأ مستقر في الفقه الدستوري يحتم توافق المجتمع بمختلف قواه وأطيافه السياسية، ومكوناته الإجتماعية والثقافية، عند إعداد وصياغة الدستور؛ والأخذ بالأسلوب الإنتخابي في هذا الشأن يخل بمفهوم الدستور و ماهيته، لما ينطوي عليه من إحتمالات متزايدة تتيح لقوى سياسية أو إجتماعية، الإنفراد والسيطرة على هذه العملية، لنجد أنفسنا أمام دستور يعكس ويترجم رغباتها و إرادتها، ونضيف إشكالاً دستورياً وقانونياً يصاعد من حالة الفوضى السياسية ويزيد من حدة وتيرتها.
 

أما الخطأ الرابع، في الحقيقة يعتبر مركز الأخطاء وأساسها، ومنه تغلغلت الفوضى ودخل المجتمع في حالة عدم الإستقرار، عندما عطل المجلس عملية بناء الدولة ومؤسساتها السياسية والتنفذية بإطالة زمن المرحلة الإنتقالية وتسليم السلطة للمؤتمرالوطني، الذي أوجده دون مبرر حقيقي أو حاجة الضرورة؛ فعوضاً عن سعي المجلس الى إنتاج شرعية سياسية ذات مرجعية دستورية، يبنى عليها قواعد تأسيس الدولة الحديثة، خلق وضعاً إنتقالياً آخر لا نعرف كيف ومتى ينتهي.
 

والمثير للخوف والقلق، أعمال وممارسات الهيئات والمؤسسات التي صنعها المجلس الانتقالي، وتحديداً المؤتمر الوطني العام الذي لم يلامس تلك الأخطاء أو يقترب منها بمعالجة أثرها وتداعياتها، بل على العكس، ضاعف بممارساته وسياساته وقراراته، من خطورتها وصعوبة تجاوزها، وقد يرى البعض أن حالة الفوضى والإرتباك التي تصبغ الحياة السياسية الليبـية، وكذلك بصمات التدخل الخارجي في العملية السياسية ليست حالة خاصة أوتفرد ليبى، و إنما هى حالة عامة كنتيجة للتحولات التي أحدثتها إنتفاضات أطاحت برؤوس الأنظمة الاستبدادية، وإرتدادات تسبق عمليات البناء والنهوض، هذا الرأي صحيحاً في مجمله، غير أن  تجريف الحياة السياسية الليبـية فى زمن القهر والقمع، و إنعدام المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية، وكذلك ضعف أداء وحداثة التنظيمات السياسية، والهيئات النقابية والمدنية، جعلت من الحالة الليبـية أكثر قلقاً ورعباً من أن يتجه بنا الوضع نحو إنهيار الدولة والوطن، حيث أن من يشاركنا هذا الوضع من حولنا يملك ضمانات أمنية وعسكرية، وقواعد مؤسسية وتنظيمية، تحول دون وصوله الى نقطة الإنهيار التي نخشاها.
 

هذه ملامح الوضع السياسي بهمومه وتحدياته المرعبة، وإفتقاره للأدوات فاعلة لظبط الصراع فى إطاره الصحيح والصحي، والحيلولة دون نزوعه الى مستويات العنف والفوضى، الأمر الذي يحتم على القوى السياسية والقيادات الرسمية، البعد عن الاستغراق فى حالة التشخيص وتبيان الأخـطار والتحـديات، والإنـصراف الى تـقـديم الحـلول الواجبة للـمـعالجة، بفكـر خلاق واسلوب بنيوى دون خوف أو تردد، طالما القصد والهدف حماية الوطن و وحدة ترابه، والحفاظ على تماسك نسيجه الإجتماعي، تلك هى الأهداف العليا التي يجب على الجميع الإرتباط بها بجدية وإلتزام، حتى لا نواجه المصير الذي إنتهى اليه من سبقنا في هذا الطريق.
 

ومن خلال رصد محددات المشهد السياسي الليبي، بأخطاره الأمنية، وإرتباكه السياسي، وخطابه الجهوي، وكذلك بتحديد وتأكيد سقف الولاء والإنتماء، نجد ان المطالبة بإقامة نظام سياسي، يؤسس شرعية ملكية دستورية، ضرورة مرحلية يفرضها واقع متأزم، حيث أنها فكرة مجمعة لأطياف المجتمع و مكوناته السياسية و الإجتماعية، و واضعة حدود وضوابط الصراع السياسي والإجتماعي في إطار شرعية تلزم الجميع وتحدد حركتهم السياسية والحزبية والتنظيمية، وتضع أمامهم قواعد العمل السياسي، وتبعد عن الوطن شبح إختفاء الدولة وإنهيار المجتمع؛ فالمطلوب من القوى السياسية، والنخبة الفاعلة داخل الحراك الليبي السياسي والثقافي، التعاطي معها بعيداً عن المواقف السابقة التي تكونت حولها، وفي إطار من التجرد والموضوعية خالصة من العواطف والمصالح، وتأخذ في الإعتبار بجدية مسارات داخلية وخارجية، تنذر بمخاطر تتزايد حدتها ووتيرتها على الوطن، ومناقشة آلية وإمكانية تنفيذها من جميع الجوانب، من حيث إستعداد الداخل لقبولها، ومدى مستوى ودرجة رد فعل القوى الخارجية حولها، وغيرها من المسائل التى تثيرها هذه الفكرة عند التنفيذ، وحين نقدم على هذه الخطوة، لن نخرق بها نواميس تاريخ النظم السياسية وتطورها، ولن نكون أول من أقدم عليها، فقد سبقتنا نظم سياسية فى اللجؤ اليها عنما كانت الخيار الوحيد الذي يحفظ كيان الدولة و وتماسك المجتمع، فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد أسبانيا بعد الجنرال فرانكو، وكذلك كمبوديا بعد الديكتاتور بول بوت، اقدمتا على إعادة الملكية الدستورية، في ظل غياب قوى سياسية قادرة على حسم الأمور وإبعاد أخطار الحرب الأهلية التي كانت تهدد كيانهما.
 

إن نجاح الثورة مرهون بقدرتها على إنجاز مهاما وأهدافها، منطلقة من حزمة أهداف وطنية، الى حزمة أعمق حتى تصل الى غاياتها النهائية، ولعلنا نجد المثال مع ماحدث مع هبات وانتفتضات حققت الثورة بمعانيها ومدلولاتها السياسية والإجتماعية، عندما اختارت الطريق الصحيح، بعيداً عن مسارات سقطت فيها إنتفاضات وهبات أشرنا إليها في بداية هذا الحديث، فكل مانسعى اليه هو الخروج من المازق الذي نعيشه، والإنتقال بإنتفاضة فبراير الى ثورة حقيقية تجسد معانيها في بناء وطن منيع وعزيز، يصون كرامة مواطنيه و يحقق العدالة والمساواة داخل المجتمع، فتحرير الجزء خطوة مهمة على طريق تحرير الكل، هكذا تقول المدرسة الفكرية والسياسية التي أنتمي لها، والتي لم ولن أتخلى عنها بهذا الطرح.
 

د.خـليـفة الـبكـوش

22 مارس 2013

 




 حالة الطـقس اليوم
      بنغازى      سبها    
طرابلـس